أخبار العالم

هل تضطر أوروبا لدخول عصر “هليكوبتر الأموال” للهروب من الركود؟

بعد عقد من الزمن على حدوث الكساد الكبير، فإن الاقتصاد الأوروبي لا يزال يتعافى، وحدوث محنة أخرى طويلة الآجل قد يتسبب في أضرار سياسية واقتصادية خطيرة.

ومع عدم احتمالات أن توفر السياسة المالية والنقدية التحفيزات الكافية، فإن على صناع السياسة النقدية اكتشاف خيارات بديلة.

الاقتصاد العالمي يتدهور

وتقول جين بيساني عبر تحليل نشره موقع “بروجيكت سايندينكيت” إن بالرغم من تصريحات المسئولين الواثقة فإن التدهور في حالة الاقتصاد العالمي يتزايد ويتصدر جدول أعمال السياسة الدولية.

وخفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مؤخراً توقعاتها لنمو اقتصاد دول مجموعة العشرين في العام المقبل عند 1.7% بالمائة، في مقابل مستوى 2.5 بالمائة في 2017.

كما أن كبير الاقتصاديين للمنظمة لاجارد بون حذر من خطر حدوث مزيد من التدهور، وهي طريقة ضمنية للإشارة نحو التهديد المتنامي للركود.

والتحولات الهيكلية في صناعة السيارات، والمكاسب الضعيفة للإنتاجية في الاقتصاديات المتقدمة، فضلاً عن انكماش القدرة الإنتاجية الفائضة وتراكم جوانب الهشاشة المالية كلها أسباب كافية للقلق حتى في الفترات العادية.

أسباب تدهور الاقتصاد

ولكن اليوم مزيج التصدعات في النظام التجاري العالمي والنقص غير المسبوق في الذخائر اللازمة لحماية الاقتصاد يضيفان إلى تلك المخاوف.

ومثلما أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإنه يمكن أن يعزى جزء كبير من التباطؤ الاقتصادي العالمي إلى النزاع التجاري الأمريكي الصيني المستمر.

ويعتقد شان باون الاقتصادي في معهد “بيترسون” أنه استناداً على أسس الإيضاحات المعلنة مؤخراً فإن متوسط التعريفات الأمريكية على الواردات الصينية سيرتفع من 3 بالمائة قبل عامين إلى 27 بالمائة بحلول نهاية العام الجاري، بينما سترتفع التعريفات الصينية على السلع الأمريكية من 8 بالمائة إلى 25 بالمائة خلال الفترة نفسها.

وتعد الأرقام السابقة مرتفعة جداً بشكل كافي لتعطيل سلاسل التوريد، والقلق بشأن مزيد من التصعيد سيقلل حتماً استثمارات الشركات.

وعلاوة على ذلك، فإن سياسة التعريفات العشوائية للرئيس دونالد ترامب هي دلالة على إعادة تقييم واسع لشبكات الإنتاج العالمية.

وحتى في حالة عدم انتخاب ترامب في العام المقبل، فإن عدد المؤمنين بحرية التجارة في الولايات المتحدة يكاد يختفي تقريباً، وبالتالي الضرر الذي لحق بالنظام التجاري العالمي من ارتفاع الشعبوية من المحتمل أن يدوم لفترة أطول.

كما أن هناك مصدر قلق آخر كبير ومتمثل في نقص أدوات السياسة الاقتصادية لمواجهة التباطؤ.

وفي أوقات الركود العادي، تخفض البنوك المركزية معدلات الفائدة لإنعاش الطلب، وعلى سبيل المثال خفض بنك الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة بنحو 5 بالمائة خلال آخر 3 فترات للركود.

كيف تصرف البنوك المركزية والحكومات المحلية؟

ولكن اليوم يمتلك بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو نصف تلك المساحة لخفض معدلات الفائدة، في حين يمتلك البنك المركزي الأوروبي مساحة أقل.

وتراجع معدل الفائدة الخالية من المخاطر (السندات الحكومية) في منطقة اليورو عند النطاق السالب، حتى ذات فترة الاستحقاق 30 عاماً.

وبعد أن قرر البنك المركزي الأوروبي مؤخراً تيسير سياسته النقدية تحت رئاسة ماريو دراجي، فإن خليفته كريستين لاجارد سترث على نحو كبير صندوق أدوات خاوي.

ومثلما قالت لاجارد، فإن البنوك المركزية ليست اللاعب الوحيد، ولذلك طالب دراجي ولاجارد حكومات منطقة اليورو بتوفير مزيد من التحفيزات المالية.

ويبدو ذلك ممكناً على الورق، حيث أن عجز الموازنة الأمريكية الدورية المعدلة يتجاوز 6 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي، أما متوسط العجز في منطقة اليورو فلايزال أدنى مستوى 1 بالمائة، ورغم ارتفاع معدل الدين إلى الناتج الإجمالي المحلي في منطقة اليورو إلا أنه لايزال أدنى المستوى في الولايات المتحدة.

ومثلما أكد كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي أوليفر بلانشرد فإن عجز الموازنة المؤقت لا يؤدي لزيادة مستمرة لمعدل الدين إلى الناتج الإجمالي المحلي حينما يكون معدل الفائدة أدنى معدل النمو الاقتصادي، مثلما الوضع الآن.

ومع ذلك لم يدرس حتى وزراء المالية الأوروبيون تنفيذ خطط مالية طارئة في اجتماعهم الأخير في سبتمبر/أيلول الماضي.

وألمانيا التي لديها مساحة للتصرف لاتزال تعترض على تخفيف متطلباتها لـ”البلاك زيرو”، والتي بموجبها يتعين على البرلمان أن يوافق على ميزانية متوازنة، مع عدم قبول تسجيل عجز إلا في حال تراجع النمو عن المتوقع.

وفي حين تتزايد الأصوات المطالبة برفع هذه القيود المطبقة ذاتياً، فإن قاعدة “كبح الديون” المنفصلة والمنصوص عليها في دستور ألمانيا تقصر العجز الفيدرالي عند مستوى 0.35 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبالتالي فإن حكومات منطقة اليورو لديها مساحة محدودة للمناورة المالية، وقد تفتقر إلى الشجاعة السياسية لتوسيعها، وبناءً على ذلك فإنه على الأرجح ستنفذ أوروبا بعض الدعم المالي في حال حدوث ركود اقتصادي، لكن بدون تنفيذ إجراءات قوية وصارمة.

أدوات جديدة؟

ويقودنا ذلك إلى الفكرة الغريبة المتمثلة في تزويد البنك المركزي الأوروبي بأدوات جديدة.

وفي نهاية الستينيات، تخيل ميلتون فريدمان أن البنك المركزي يمكن أن يسقط الأوراق النقدية بواسطة الهليكوبتر – استعارة استخدمها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق بن برنانكي في وقت لاحق لشرح كيف يمكن لبنك الاحتياطي الفيدرالي فعل المزيد دومًا لمواجهة انكماش الأسعار.

ولتحويل تلك التجربة الفكرية إلى خيار حقيقي فإن النظام الأوروبي قد يمدد القروض المستمرة الخالية من الفوائد إلى البنوك في الدول الأعضاء بشرط أن تنتقل الأموال إلى مستهلكين تحت نفس الشروط.

وستتسلم الأسر على وجه التحديد ائتمان بقيمة ألف يورو (1094 دولار)، لن يتم إعادته فعلياً بشكل نهائي، وهي عملية ستمول المزيد من الاستهلاك.

وكل بنك مركزي لكل الدول الأعضاء عليه إما الإبقاء على أصول وهمية في ميزانيته المالية أو الاتجاه نحو مزيد من الواقعية عبر تعويض الخسائر المقابلة على مدار الوقت عبر خفض التوزيعات السنوية المدفوعة إلى مساهميه.

ولكن هذه المبادرة ستواجه عقبات كبيرة، العقبة الأولى قانونية: هل تصرف البنك المركزي الأوروبي ضمن صلاحيته؟ بشكل عام نعم، لأن تقديم هذه العملية سيكون بهدف الوصول لهدف البنك والمتمثل في استقرار الأسعار.

وتعاني منطقة اليورو حالياً من ضعف التضخم لمستويات دون المستهدف، وحدوث أي ركود اقتصادي سيزيد من هذه المشكلة.

والمشكلة الثانية تشغيلية: فبعض أسر منطقة اليورو لا تمتلك حسابات بنكية في حين أن البعض الآخر يمتلك العديد منها.

وأيضاً هل ينبغي أن يتم تقديم نفس المبلغ للأسر في لوكسمبورج مثلما يتم تقديمها في لاتفيا مع حقيقة أن دخل الفرد يقل أربعة أمثال عن الأولى؟، هذا قد لا يهم من وجهة نظر الاقتصاد الكلي لكنه يهم من حيث مساواة الدخل.

أما الصعوبة الأخيرة فهي سياسية: فيمكن اتهام البنك المركزي الأوروبي بخرق الجدار الذي يفصل بين السياسة النقدية والمالية، لأن العملية ستكون معادلة للتحويل الذي تديره الدولة بتمويل من طباعة الأموال.

وبالنظر إلى الضغائن الحالية بشأن الاستراتيجية النقدية للبنك المركزي الأوروبي، فقد يكون ذلك مثار جدل بعيد للغاية.

وسيخبرنا الوقت وحده ما إذا كان تدهور الموقف الاقتصادي ونقص الخيارات البديلة يبرر دخول أرض مجهولة.

المصدرك مباشر

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق