تقنية المعلومات

على إفريقيا محاكاة أنموذج الهند في التطور الرقمي

لا يزال الاقتصاد الرقمي في إفريقيا صغير الحجم مقارنة باقتصادات نظرائه العالميين، لكنه شهد نموا هائلا على مدى العقد الماضي، حتى بات لديه الآن القدرة على إعادة تعريف اقتصادات القارة.
حققت إفريقيا أسرع نمو في الوصول إلى الإنترنت مقارنة بباقي قارات العالم، بين عامي 2005 و2018، فانتقلت من وصول 2.1 في المائة فقط من السكان إلى الإنترنت إلى 24.4 في المائة.
وهي موطن لأسرع نمو في صناعة الهاتف المحمول، إذ حققت نموا سنويا بنسبة 20 في المائة بين عامي 2005 و2017. وتشير التقديرات إلى أن نصف سكان إفريقيا سيحصلون على اشتراك لاستخدام الهواتف المحمولة بحلول عام 2025.
ومع ذلك، يجب مواجهة التحديات الهائلة، لضمان أن تصبح النظم الإيكولوجية الرقمية في إفريقيا، في موقع يمكنها من دعم نمو فرص العمل التي تحتاج إليها القارة. يجب على الحكومات الإفريقية ومؤسسات التمويل الإنمائي فيها، أن تنظر إلى الهند كأنموذج، وأن تركز على الاحتياجات المهمة للبنية التحتية.
ويشمل ذلك تقليل تكلفة البيانات وزيادة الوصول إلى الخطوط الثابتة العريضة النطاق، وتحفيز المشاريع التجارية في النظام البيئي للتكنولوجيا، وتزويد الأفارقة بالمهارات التي يحتاجون إليها، للمشاركة في هذا التحول الرقمي.
إن الافتقار إلى الوصول الكافي إلى الإنترنت في معظم البلدان الإفريقية، سببه أن تكلفة البيانات باهظة الثمن، وأن الخطوط الثابتة عريضة النطاق بطيئة للغاية وغير متاحة على نطاق واسع.
يدفع الأفارقة في المتوسط 7.04 دولار أو نحو 9 في المائة من دخلهم الشهري، مقابل 1 جيجابايت فقط من بيانات الهاتف المحمول (تكفي لمشاهدة نحو ثلاث ساعات من فيديو منخفض الجودة معروض على “نيتفلكس”)، مقارنة بـ 3.5 في المائة فقط من الدخل الشهري في أمريكا اللاتينية و1.5 في المائة في آسيا.
كان هناك تقدم ملحوظ في بعض البلدان. في نيجيريا، استمرت أسعار بيانات الهاتف المحمول في الانخفاض، في أعقاب قرار لجنة الاتصالات في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، بإزالة الحد الأدنى لأسعار البيانات، وزيادة المنافسة بين شركات الكابلات البحرية.
في الهند، لعبت المنافسة بين شركات الاتصالات دورا حاسما في خفض تكاليف بيانات الهاتف المحمول، التي أصبحت الآن الأرخص في العالم.
“ريلاينس جو” للاتصالات الصغيرة، مسؤولة بشكل كبير عن هذا التحول، فقد استثمرت 35 مليار دولار في شبكة الجيل الرابع، وتقدم تجارب مجانية غير محدودة البيانات لجذب عملاء جدد.
على الرغم من أن بعض الأشخاص انتقدوا ممارسات الشركة، وارتفاع احتمالية زيادة أسعار البيانات بعد ممارساتها، إلا أن تأثيرها على استثمارات القطاع الخاص وعلى إيجاد التنافس، قد استفاد منه متوسط الهنديين.
يتعين على الحكومات الإفريقية تحرير قطاعات الاتصالات لديها، وتشجيع المنافسة من أجل تشجيع الاستثمار الخاص في البنية التحتية، التي يمكن أن تتشاركها شركات الاتصالات الإفريقية.
يجب على المنظمين تتبع تكلفة البيانات ووضعه مقياسا لسلامة الصناعة.
إلى جانب بيانات الهاتف المحمول، يتعين على البلدان الإفريقية زيادة سرعة الإنترنت في الخطوط الثابتة عريضة النطاق، وتحسين الوصول إليه.
في تقرير صدر عن موقع كيبل. كو. يو كيه cable.co.uk لقياس سرعات الخطوط الثابتة العريضة النطاق في البلدان، ظهر أنه ليس هناك بلد إفريقي تفوق سرعة الإنترنت فيه 10 ميجابت في الثانية، وهو الحد الأدنى للسرعة المطلوبة من قبل المستهلكين.
تشكل مثل هذه العوائق مشكلة بالنسبة إلى مراكز التكنولوجيا والنظم الإيكولوجية المتنامية في إفريقيا، حيث يشار إلى سرعة الإنترنت بصفتها قيدا للشركات الناشئة والعملاء.
في حين أن بعض البلدان الإفريقية، مثل كينيا، زادت سرعة بيانات الأجهزة المحمولة بشكل كبير، إلا أن الشركات ستحتاج إلى زيادات أكبر لتسريع النمو.
بينما تبني إفريقيا بنيتها التحتية الرقمية، يحتاج كل من رواد الأعمال والشركات التكنولوجية إلى وصول أسرع إلى التمويل.
وفي حين أن الأرقام تتباين، تذكر وي تراكر WeeTracker، أنه تم استثمار 725.6 مليون دولار في رأس المال الاستثماري، في 458 صفقة في عام 2018 في إفريقيا.
وعلى الرغم من تزايد معدل النمو إلا أنه لا يزال ضئيلا مقارنة بنظرائه في العالم. يوجد في إفريقيا 618 مركزا تكنولوجيا اليوم، بقيادة كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر.
كانت مؤسسات التمويل الإنمائي والحكومات وصناديق رأس المال المغامر، مفتاحا لتحفيز الموجة الأولى من نمو مراكز التكنولوجيا في جميع أنحاء القارة، إلا أنه بدون زيادة الاستثمار والاحتراف في احتضان المشاريع والمسرعات، ستستمر الشركات الناشئة الإفريقية في أن تكون دون المستوى.
على الرغم من وجود المئات من المراكز (التي يمثل ربعها فقط مساحات مشتركة للعمل)، تفتقر الشركات الناشئة إلى وجود شركاء من قطاع الشركات الخاصة، لمساعدتها في مواجهة التحدي المتمثل في التوسع، في قارة تضم سلاسل إمداد غير تقليدية ويصعب فيها التوزيع، ولا تتمتع إلا بمقدرة وصول محدود إلى الأسواق المالية.
في الهند، لم تساعد مشاريع شركات من أمثال “تايمز جروب” و”مايكروسوفت” (التي استثمرت في 134 شركة ناشئة في البلاد) على سد فجوة التمويل فحسب، بل لعبت أيضا دورا رئيسا في دعم الشركات، ابتداء من شراكة التصنيع وصولا إلى أفضل الممارسات التجارية. 40 في المائة من صفقات المشاريع في آسيا تتضمن مؤسسات شريكة، ما يساعد على تحفيز نظام بيئي يمكن نسخه في إفريقيا.
يمكن استخدام نماذج رأس المال الاستثماري المختلطة بين الشركات والحكومة ومؤسسات التمويل الإنمائي، لدعم زيادة الاستثمار من قبل شركات التكنولوجيا العالمية، الأقل دراية بشؤون القارة، فهي ذات تقبل أقل للمخاطرة.
تدرك الشركات أيضا على نحو متزايد الحاجة إلى تدريب المواهب في القارة.
من دون رفع الالتزام فيما يخص زيادة المهارات الرقمية في إفريقيا، ستواجه البلدان مخاطرة التخلف في التحول الرقمي، وفي جذب رأس مال كاف للشركات وأصحاب المشاريع في إفريقيا.
ينبغي على مؤسسات التمويل الإنمائي إعطاء الأولوية للاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والتعليم العالي. اليوم، يحصل أقل من 25 في المائة من الأفارقة على شهادات جامعية في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
هناك حاجة إلى التزام حكومي بزيادة عدد الخريجين في تلك المجالات، والاستثمار في محو الأمية في أساسيات التكنولوجيا.
سياسة المواهب الرقمية الوطنية في رواندا تقدم نموذجا للمهارات المستهدفة في جميع مجالات المجتمع، من إنشاء “فصول دراسية ذكية” بداية من مستوى المدارس الابتدائية، إلى توفير شهادات تكنولوجيا أكثر تخصصا في مجالات مثل هندسة الشبكات.
ينبغي أن تتطلع مؤسسات التمويل الإنمائي إلى الاستثمار في شركات مثل “أندلي” أو”لامبدا أكاديمي” وهي شركة ناشئة على الإنترنت، تعمل في مجال تعزيز تعليم البرمجة، التي توسعت في إفريقيا في عام 2019، لتشمل التدريب في مجال تطوير البرامج، من خلال شراكة مع “باي ستاك” الناشئة النيجيرية في مجال التكنولوجيا المالية.
يتلقى المطورون تدريبهم من مكاتب في إفريقيا، ولا يدفعون أي رسوم مقابل تلقيهم للبرنامج إذا حصلوا على وظيفة لدى واحدة من الشركات الشريكة للأكاديمية في إفريقيا.
كثير من هؤلاء المطورون سيطلقون شركاتهم الخاصة محليا، أو سيواصلون العمل لمصلحة الشركات الإفريقية، ما سيحافظ على إبقاء المواهب المهمة داخل القارة.
يجب أن تبحث الحكومات ومؤسسات التمويل الإنمائي عن نماذج مثل هذه، تحقق التوازن بين زيادة المهارات وخطر هجرة الأدمغة.
اتخذت الهند عدة خطوات لتفادي هذه المشكلة؛ حتى قبل أن تفرض إدارة ترمب قيودا على التأشيرات، فشهدت الهند تراجعا في هجرة الأدمغة، وكانت هناك زيادة بالمئات من العلماء الذين عادوا إلى ديارهم، لمواصلة أبحاثهم مقارنة بالأعوام السابقة، وذلك بفضل فرص التكنولوجيا المتنامية في الوطن.
البرامج التي تربط التعليم بالتوظيف يمكن أن تساعد البلدان الإفريقية، على وقف تدفق المواهب التكنولوجية إلى الخارج.
مثل الهند، إفريقيا موطن لجيل من الشباب المتحضرين، الذين غالبا ما يكونون الجيل الأول من مستخدمي الهاتف الخلوي بشكل يومي.
من بين عدد سكان الهند البالغ 1.3 مليار نسمة، هناك 50 في المائة منهم تقل أعمارهم عن 25 عاما.
في إفريقيا، 60 في المائة من عدد سكان القارة البالغ عددهم 1.25 مليار نسمة، تقل أعمارهم عن 25 عاما. فوق ذلك، سيستمر نمو عدد المدن الضخمة في كليهما.
ويغلب على سكانهما اللجوء إلى الهاتف الخلوي ويفضلون مشاهدة مقاطع الفيديو، والدليل على هذا هو تبنيهم المبكر للمعاملات المالية بالهاتف المحمول، وشعبية المواقع الإلكترونية مثل “يوتيوب”.
الهند، على خلاف الصين أو كوريا أو سنغافورة، دولة ديمقراطية فيدرالية كبيرة -وهي أنموذج مقارب للتحديات التي تواجه إفريقيا أكثر من باقي البلدان الآسيوية.
وفي حين أنها ليست متطابقة إطلاقا، إلا أن التحول الرقمي في الهند أفضل أنموذج لفهم كيف تستطيع إفريقيا أن تتحول رقميا، وأن تكون منافسة على الصعيد العالمي؟.
بدون وضع استراتيجيات مخصصة للتعامل مع التغيرات اللازمة على مستوى البلدان وعلى المستوى الإقليمي، تخاطر البلدان الإفريقية بأن تتخلف بشكل أكبر عن بقية بلدان العالم، في المجال الرقمي.
المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق