الطاقة

عقبات تواجه التحول العالمي للطاقة المتجددة .. استخدامات محدودة وتكلفة مرتفعة

من نافلة القول أن قطاع الطاقة بات أحد المرتكزات الرئيسة لمنظومة الاقتصاد العالمي، وعاملا محوريا لتحقيق التنمية المستدامة، وقطاعا استراتيجيا يتسم بحيوية وأهمية كبيرة، تتطلب تأمينه لضمان معدلات نمو متسارعة.
ولا شك أن هذا الإدراك أوجد وعيا كونيا بضرورة العمل الجاد على ضمان خدمات طاقة حديثة وموثوق بها، على أن ينسجم هذا مع الاتجاه العالمي للحفاظ على البيئة، عبر زيادة نسبة الطاقة المتجددة من مجموع مصادر الطاقة العالمية، وتحسين الكفاءة الإنسانية في استخدام الطاقة.
في ظل هذا الوعي شهدت الأعوام الأخيرة تقدما واضحا في اتساع نطاق الحصول على الكهرباء في معظم بلدان العالم، ولا سيما الهند وبنجلاديش وكينيا.
وفي الوقت الذي يتزايد فيه سكان العالم عددا، انخفض عدد البشر الذين لا يحصلون على الكهرباء من 1.2 مليار نسمة عام 2010 إلى 840 مليون عام 2017، وسط توقعات بأن يواصل العدد الانخفاض إلى 650 مليون نسمة بحلول 2030، وسيتركز أغلبهم في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
ورغم النمو المتزايد في استخدام الطاقة المتجددة في عديد من بلدان العالم، إلا أنها تبلغ حاليا أكثر قليلا من 20 في المائة من إجمالي الطاقة المستهلكة عالميا، وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن مصادر الطاقة المتجددة مسؤولة عن توليد 26 في المائة من الطاقة الكهربائية على مستوى العالم اليوم، ومن المتوقع أن يصل نصيبها إلى 30 في المائة بحلول 2024.
ومع هذا، فإن نقطة الضعف الرئيسة في قطاع الطاقة المتجددة تتمثل في أن نجاحه بشكل كبير في توليد الكهرباء، يقابله ضعف نسبي في استخدامه في مجال التدفئة والنقل، كما أن أنظمة توليد الطاقة المتجددة لا تزال مكلفة نسبيا وغير موثوق بها، مقارنة بالأنظمة التقليدية للطاقة.
وأوضح لـ”الاقتصادية”، المهندس جاك كريس، الاستشاري في مجلس الطاقة العالمي، أن “هناك ثلاثة استخدامات رئيسة للطاقة المتجددة، وهي الكهرباء، والنقل، والتدفئة، ونسبة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في التدفئة تعد الأعلى بين الاستخدامات الثلاثة، أما النقل فهو الأدنى، إذ لا تتجاوز مساهمة الطاقة المتجددة من إجمالي الطاقة المستخدمة في النقل على مستوى العالم 5 في المائة”.
وبشأن الكهرباء، يضيف كريس، أن “استخدام مصادر الطاقة المتجددة، سواء كانت طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية ارتفعت بشكل ملموس في مجال توليد الكهرباء، ويعود ذلك في جزء منها لزيادة قدرات الصين بشكل كبير في مجال توليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، خاصة منذ 2015، وكذلك تعافي أمريكا الجنوبية من الجفاف، ما زاد من إجمالي الطاقة الكهرومائية على مستوى العالم”.
وتبدو أغلب التوقعات متفائلة بشأن مستقبل الطاقة المتجددة عامة والطاقة الشمسية خاصة، وتشير التقديرات الدولية إلى أنه بحلول 2024 يمكن أن تشهد البشرية فجرا جديدا للطاقة الشمسية الرخيصة.
ويقول لـ”الاقتصادية”، الدكتور جون جاردنر، أستاذ اقتصادات الطاقة في جامعة جلاسكو، إن “استخدام الطاقة الشمسية في العالم ينمو بمعدل 600 جيجا وات، أي ما يقارب ضعف إجمالي الطاقة الكهربائية المثبتة في اليابان، ومن المتوقع أن تنمو الكهرباء، التي نحصل عليها من الطاقة المتجددة بمقدار 1200 جيجا وات خلال الأعوام الخمسة المقبلة، أي ما يعادل إجمالي الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة”.
ويحذر جاردنر من أن “دور مصادر الطاقة المتجددة في نظام الطاقة العالمي سيكون بحاجة إلى النمو بشكل أسرع إذا كان العالم يأمل في تحقيق أهدافه المناخية، فالطموحات المتزايدة للتعامل مع قضايا المناخ في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لعبت الدور الأكبر في رفع توقعات وكالة الطاقة الدولية، لكن عمليا نجد أن الصين هي التي تقود الطريق فيما يتعلق بمشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والأخيرة تحديدا ستلعب الدور الأكبر في تحفيز النمو في مجال الطاقة المتجددة، بسبب الانخفاض الملحوظ في تكلفة الطاقة الشمسية بنسبة تراوح بين 15 و35 في المائة بحلول 2024، ما سيحفز نمو الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العقد المقبل”.
ومع هذا، فإن الكهرباء المتولدة من الطاقة المتجددة وتعظيم تلك المساهمة ما زالت تعد أحد وجهي العملة، فإذا كانت أغلب الدراسات والأبحاث تركز على ما يمكن وصفه بزيادة المعروض من الطاقة، عبر ضخ مزيد من الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة، فإن الوجه الآخر من العملة يتعلق بتنامي كفاءة استخدام الطاقة.
وعلى الرغم من عدم حداثة مصطلح “كفاءة استخدام الطاقة”، إلا أنه بات الآن أكثر تداولا في وسائل الإعلام، إذ يمثل إذا جاز التعبير جانب الطلب، ويعني في جوهره استخدام كمية أقل من الطاقة لإنتاج التأثير نفسه أو أداء الوظيفة نفسها، أو استخدام ذات الكمية من الطاقة لإنتاج تأثير أكبر، ومن ثم، فإن المفهوم يعتمد على فكرة تطوير تقنيات أكثر حداثة قادرة على خفض معدل استخدام الطاقة.
ويشير بعض الخبراء إلى أن كفاءة استخدام الطاقة، عنصرا محوريا لتحقيق أهداف مختلف دول العالم المتعلقة بالطاقة أو المناخ، وتحسين أمن الطاقة، وتقليل الضغط على الميزانيات الأسرية أو الأفراد.
وحول كفاءة استخدام الطاقة، يقول لـ”الاقتصادية”، برجس فوستر الباحث في صندوق النقد الدولي، إن “لدى كفاءة استخدام الطاقة في القطاعين الصناعي والسكني سوقا عالمية تقدر قيمتها حاليا بنحو 360 مليار دولار، ومع هذا، فإن الأخبار بشأن كفاءة استخدام الطاقة لم تكن طيبة خلال العامين الماضيين على المستوى العالمي، فالمعدل العالمي الراهن لا يرقى إلى المستوى المستهدف في 2030، والمعدل الراهن في كفاءة استخدام الطاقة لا يتجاوز 2.7 في المائة، ولوحظ أنه تعرض للانخفاض خلال 2017 و2018، والعام الماضي لم يتجاوز 1.3 في المائة فقط”.
ويعتقد فوستر أن إدخال تحسينات ملموسة على الهيكل الاقتصادي ستسهم بشكل ملحوظ في تحسين كفاءة استخدام الطاقة، إذ أسهم ذلك، وفقا لتقديراته، في تحسين استخدام الطاقة في 16 دولة من 20 دولة تسجل أكبر طلب على الطاقة في العالم.
وفي هذا السياق، يرى فوستر أن تقديم حوافز مالية وضريبية، وتعزيز آليات السوق، والمزيد من التوعية الجماهيرية، ونشر التقنيات الرقمية يمكن أن تحسن كفاءة استخدام الطاقة، بما يؤدي إلى تغير ملموس في جانب الاستهلاك بشكل كبير. وبالطبع سواء تعلق الأمر بجانبي العرض والطلب في مجال الطاقة المتجددة، فإن الاستثمارات السنوية في هذا القطاع الحيوي، ستظل قوة الدفع الرئيسة في عملية التطوير. وتؤكد المهندسة لورين حداد، مديرة وحدة التطوير في شركة “جود إنرجي” للطاقة النظيفة ضرورة ضخ مزيد من الاستثمارات بهدف الإسراع بزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مجمل الطاقة المولدة، خاصة في استهلاك الكهرباء.
وتضيف لـ”الاقتصادية” أنه “ينبغي أن يصل متوسط حجم الاستثمارات السنوية إلى نحو 55 مليار دولار لزيادة إمكانية الحصول على الطاقة، ونحو 700 مليار دولار لزيادة الطاقة المتجددة و600 مليار دولار لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وقد تبدو تلك الأرقام ضخمة للوهلة الأولى، لكنها كفيلة بإحداث تغيير جذري في مدى توفر الطاقة لسكان الكرة الأرضية، بما يضمن تغييرا حقيقيا في معدلات التنمية ومستويات المعيشة”.

المصدر: الاقتصادية
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق