متنوع

كيف نسي علم الاقتصاد تحذيرات كينز من الذعر؟

الاقتصادي الجيد، مثل الكاتب الجيد، مهارته لا تكمن فقط في ما يدرجه في أعماله، بل في ما يتركه ويتجاهله.
العالم الحقيقي معقد بشكل مخيف. كذلك الأشخاص. إذا كان الاقتصاديون سيخبروننا بأي شيء عن أي منهما، يتعين عليهم أن يلجأوا إلى التجريد.
المشكلة هي ما الذي يحدث عندما يصبح الأمر الذي تختار أن تتركه وتتجاهله هو الأكثر أهمية؟
في بحث جديد (تحية إلى فابيو جيروني من جامعة واشنطن لجذب انتباهنا إليه)، يؤدي جورج أكيرلوف، الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، عملا رائعا في شرح كيف ولماذا فشل علماء الاقتصاد الكلي، في العقود التي سبقت الانهيار المالي، في إدراج أي دور ذي معنى للنظام المالي في نماذجهم الاقتصادية.
تعيدنا ورقة البحث إلى دراساته العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1962، “عندما ظهرت نسخة محددة من الاقتصاد الكينزي”.
يشير أكيرلوف إلى أن هذه “النسخة المحددة” لم توجه كثيرا من الاهتمام إلى نظرية “مسابقة الجمال” التي وضعها جون ماينارد كينز لاستقصاء سلوك السوق التي تساعد في توضيح لماذا تصبح أسعار الأصول منفصلة عن أساسيات الاقتصاد بسبب تخصيص الأشخاص لثرواتهم، جزئيا، بناء على ما يعتقدون أن الآخرين سيقدرونه، وليس ما يقدرونه هم أنفسهم.
بحسب النظرية العامة، يتعين على المتسابقين اختيار أجمل ستة وجوه من بين 100 صورة، ويتم منح الجائزة إلى المتسابق الذي تتوافق اختياراته تقريبا مع متوسط الصور التي اختارها المتسابقون ككل. بالتالي على كل متسابق أن يختار صورا، ليس لتلك الوجوه التي يجد هو نفسه أنها الأجمل، بل تلك التي يعتقد أن من المرجح أن تنال إعجاب المتسابقين الآخرين؛ جميعهم ينظرون إلى المشكلة من المنظور نفسه. لقد وصلنا إلى الدرجة الثالثة التي نكرس فيها ذكاءنا للتنبؤ بتوقعات متوسط رأي الآخرين حول ما يمكن أن يكون عليه الرأي المتوسط للآخرين. وأعتقد أن هناك بعض الذين يمارسون الدرجة الرابعة، والخامسة، ودرجات أعلى أيضا.
بحسب ما يشير أكيرلوف، تم تجاهل هذه النظرية لأنها كانت تتعارض إلى حد كبير مع نسخة الاقتصاد الكينزي التي ظهرت خلال الستينيات من القرن الماضي. تلك النسخة التي يطلق عليها اسم المزيج الكينزي الكلاسيكي الجديد لها ميزان واحد، عندما يكون الطلب مساويا للعرض. في حين أن نظرية “مسابقة الجمال” لكينز لديها عدد من الموازين، حيث يوجد فائز محتمل مع كل وجه. ونتيجة لذلك جميعنا خسرنا.
ما يعجبنا في بحث أكيرلوف ليس فقط درجة البحث التي يطبقها على نفسه ومهنته، بل أيضا القبول بأن القوى الاجتماعية والسياسية الأوسع التي تؤثر في نتائج البحث (ليست جميعها شائعة بالقدر نفسه).
وعلى هذا الأساس، تمكن من توضيح سبب بقاء نماذج علماء الاقتصاد دون تغيير، مع أن العالم والأشخاص يتغيرون.
يقول إن ما يجب علينا فهمه هو أنه في الفترة التي سبقت انخراط أكيرلوف في دراساته العليا، كان أتباع كينز أنفسهم يواجهون مهمة صعبة.
تمثل الكفاح في إقناع الجمهور الأمريكي المتشكك، الذي رفض كينز لفترة طويلة باعتباره اشتراكيا، بأن تعاليم الاقتصادي البريطاني تتوافق مع فكرة الاقتصاد الحر. بالتالي كان مزج كينز مع النظرية الكلاسيكية الجديدة أكثر ملاءمة مع فكرة الاقتصاد الحر.
بحسب أكيرلوف، كان الدرس الأساس للسياسة العامة للاقتصاد الكينزي -أننا الآن نعرف كيف نستجيب للانكماش الاقتصادي- هو أن الأمر تطلب خوض معركة لم يكن الفوز فيها يسيرا. استمر الكفاح لعقود وكان مصحوبا بمخاطر كبيرة: لا شيء أقل من الحفاظ على العمالة الكاملة بدلا من الدخول إلى الكساد العظيم.
بحلول منتصف الستينيات ظهر كينز على غلاف مجلة “تايم”.
الطريقة التي غير بها هذا الأمر تدريس علم الاقتصاد تمثلت في اختيار المراجع السائدة. في أوائل الستينيات من القرن الماضي كان المرجع كتاب بول صامويلسون، القائم على “التقاطع الكينزي” Keynesian cross، الذي يتضمن إمكانية استخدام السياسة المالية لتحقيق العمالة الكاملة في مجتمع معدلات الادخار فيه مرتفعة للغاية. مرجع آخر، من تأليف جارنر أكلي، يعتمد على أنموذج توازن IS-LM الذي وضعه كينز لقياس الطلب الإجمالي، وأرفق معه منحنى تصاعديا مائلا لإجمالي العرض.
سرعان ما أصبح الأنموذج “حكمة مقبولة” حول كيفية تحقيق الاستقرار للاقتصادات دون التضحية بالوظائف.
في الستينيات من القرن الـ20 تم تطبيق نماذجهم على مهمة “تحريك اقتصاد أمريكا مرة أخرى” بعد ارتفاع معدلات البطالة أواخر الخمسينيات. وبات صامويلسون وأصدقاؤه مستشارين لإدارة كينيدي الجديدة آنذاك.
في تلك الأثناء، تم إثناء الطلاب الموهوبين مثل أكيرلوف عن الخوض في اقتصادات دورة الأعمال، وبدلا من ذلك توافدوا إلى نظرية النمو المدفوعة جزئيا “بنهاية التكافؤ المباشر المفترضة باعتبار أنها يمكن البحث عنها”.
الآن تم حل مشكلة صعبة ومهمة، بالتالي سيكون التشكيك في الأنموذج أمرا خطيرا: قد يحرف الجمهور، الذي هو مضلل مسبقا بسبب سوء فهمه للاقتصاد، بعيدا عن السياسة المالية التوسعية اللازمة للتحكم في البطالة.
وهكذا بقي هذا الأنموذج حتى الآن. بقي إلى درجة أننا نذكر، بصفتنا طلابا أقل موهبة، كفاحنا من أجل إتقان طريقة عمل منحنى IS-LM في منهج علم الاقتصاد في المرحلة الجامعية بعد 40 عاما تقريبا.
لكن في ذلك الوقت كان لدينا شعور بأن الاحتفاظ بغنائم المعارك التي تم الفوز بها بشق الأنفس أفسح المجال أمام الغطرسة.

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق