سوق رأس المال

اضطراب سوق الريبو يعكس فشل سياسات ما بعد الأزمة

فشل كبير في السياسة المالية لفترة ما بعد الأزمة أصبح واضحا للعيان عندما انهارت سوق الريبو الأمريكية في أيلول (سبتمبر).
كثيرون ناقشوا سبب فشل السوق بهذه السرعة. كان بنك الاحتياطي الفيدرالي مرعوبا لدرجة أنه لم ينتظر الإجابات قبل أن يتدخل. وفقا لاستنتاجاتنا، إجمالي الدعم التراكمي للبنك المركزي من أجل السوق الذي يسمح للمصارف والمستثمرين باقتراض مبالغ نقدية مقابل سندات الخزانة وغيرها من الضمانات عالية الجودة سيفوق 11.5 تريليون دولار بحلول نهاية كانون الثاني (يناير) المقبل. الاحتياطي الفيدرالي لم يحفظ فقط توازن سوق الريبو. الآن، هو سوق الريبو.
كانت عمليات الريبو ذات يوم هي “الإصلاح” الذي يوفر السيولة للنظام المالي. الآن، أخذت دورا آخر لأن قواعد ما بعد الأزمة تتطلب أن تحتفظ المؤسسات المالية بأرصدة من الأصول الآمنة أكبر بكثير في وقت تكون فيه عوائد هذه الأصول منخفضة أو سلبية حتى.
الطريقة الوحيدة للامتثال لهذه القواعد، مع الاستمرار في الحصول على ربح بجهد، هي استخراج كل سنت من حيازات الأصول الآمنة من خلال تمويل سوق الريبو. المقترضون يستخدمون تدفقات تمويل سريعة من معاملات الريبو لتعزيز الربحية من خلال تداول المشتقات وغيرها من الأنشطة ذات العوائد المرتفعة.
هذا التحول في اتفاقيات إعادة الشراء كان متوقعا من جانب سوق الأسهم. برنامج شراء السندات وتخفيض أسعار الفائدة الذي طبقه الاحتياطي الفيدرالي دعم في البداية تعافي الاقتصاد الكلي. لكن تمديد التسهيل الكمي غير طبيعته من سياسة تعمل على تعزيز الناتج إلى حافز لسوق الأسهم. أصبحت مطاردة العائد ضرورة للسوق، ما أوجد حوافز قوية للمشاركين الذين لديهم أصول آمنة، مثل سندات الخزانة، لتعزيز العوائد من خلال دعم مراكزهم في سوق الريبو.
ليس بالضرورة أن تكون أي من القواعد الجديدة التي تطالب بحيازات كبيرة من الأصول الآمنة خاطئة، لكن لكل منها عواقب فشل مجلس الاحتياطي الفيدرالي في توقعها.
في الوقت الذي نما فيه طلب السوق على عمليات الريبو، انخفضت قدرة المصارف على تلبية هذا الطلب. المتطلبات الأكثر صرامة في فترة ما بعد الأزمة جعلت المصارف الكبيرة أكثر أمانا إلى حد كبير، لكن لا يوجد مصرف على استعداد أن يخطو نحو سوق الريبو إذا كان ذلك يهدد الامتثال لمعايير المتطلبات الجديدة الخاصة بتوافر السيولة خلال ساعات اليوم، أو الامتثال لسجل القواعد الأوسع.
التعرض لمخاطر “الريبو” بهذه الطريقة الدرامية من شأنه أن يدفع المشاركين عادة إلى البحث عن ملاذ. بدلا من ذلك، السوق تنبض بالحيوية لدرجة أن الاحتياطي الفيدرالي كان مضطرا باستمرار إلى زيادة المبالغ التي يدعم بها صفقات الليلة الواحدة والصفقات طويلة الأجل. ما أفضل تفسير لعدم الاهتمام هذا؟ تأميم فعلي للسوق.
في محاولة يائسة للحفاظ على أسعار الفائدة قصيرة الأجل ضمن النطاق المرغوب فيه، اختار الاحتياطي الفيدرالي عدم استخدام دعمه المعروف باسم نافذة الخصم، الذي بموجبه يقدم للمصارف قروضا عالية التكلفة، مدعومة بضمانات مناسبة، أو غيرها من صلاحيات السيولة الطارئة. استخدام هذه الخيارات الاحتياطية الشفافة كان سيسمح لسعر “الريبو” بالاستقرار في سوق جديدة منظمة وربما أصغر. بدلا من ذلك، الاحتياطي الفيدرالي فتح خزانته.
بالتالي، ما كان ينبغي أن يكون تجربة تعليمية، هو الآن حافز جديد قوي للمخاطر المعنوية. يمكن إجراء رهانات المضاربة على أساس أن دافعي الضرائب، من خلال البنك المركزي، سيتولون معالجة أي قرارات خاطئة. الضمان القديم لاستراتيجية “خيار بيع جرينسبان” Greenspan put في استقرار أسعار الأسهم مدعوم الآن بوعد من باول: لا تخافوا، في سوق التمويل العالمية القائمة على الدولار، الاحتياطي الفيدرالي موجود من أجلكم.
في السابق كان من المفترض أن يكون البنك المركزي مقرض الملاذ الأخير؛ يدعم المصارف التي ليست لديها طريقة أخرى لتمويل نفسها. تم تصميم شبكة الأمان هذه حيث يمكن للمصارف أخذ ودائع الأسر وتحويلها إلى مدخرات، أتاحت لتراكم الثروة والقروض أن تدعم النمو. لكن بعد عام 2008 أصبح الاحتياطي الفيدرالي هو صانع سوق الملاذ الأخير، فكان يخفض أسعار الفائدة كلما ارتجفت أسواق الأسهم. الآن هو أيضا مقرض السوق الذي يتم اللجؤ إليه باعتباره الملاذ الأخير.
مما لا شك فيه، أن دعم الاحتياطي الفيدرالي الحالي للريبو يضعه في دور الداعم، لا يتدخل إلا بعد أن يتراجع المقرضون الرئيسون. من الناحية النظرية يمكن للسوق أن تعمل بدون الاحتياطي الفيدرالي، لكنها لا تفعل ذلك لأن المقرضين يحبون أن يكون لديهم هذا الدعم، والبنك المركزي موجود دائما لتقديمه.
الاحتياطي الفيدرالي يقدم أيضا عمليات ريبو عكسي، وهي عملية طويلة الأجل مصممة للحفاظ على أسعار الفائدة في السوق ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي، بغض النظر عن المخاطر التي يتحملها المشاركون. الآن يدرس البنك المركزي جعل عمليات الريبو الجديدة دائمة، من خلال ما يسمى التسهيل الدائم، إذا بدأت عملا يتعين عليك أن تستكمله؛ وإذا كنت بنكا مركزيا ستواصل فيه إلى الأبد.
لكن مع توفير البنوك المركزية دعما لأسواق الأسهم والتمويل، فما التالي؟ قرر بعض المحافظين ضرورة إضافة العملات الرقمية إلى أنظمة الدفع الخاصة بهم، ليس فقط لحماية العالم من عملة شركة فيسبوك “ليبرا”، لكن أيضا باعتبارها أداة جديدة قد تحول السياسة النقدية إلى شكل أفضل.
هذا يمكن أن يحد من الإقراض، لكن بعض البنوك المركزية لديها علاج لذلك: ستقرض أيضا، على الأقل لمشاريع مثل الطاقة المستدامة التي تناسب فكرة صانعي السياسة حول ما يشكل نشاطا اقتصاديا مفيدا.
من المؤكد أن قطارات السوق ستتحرك جميعها في الوقت المحدد. لكن محافظي البنوك المركزية وليس قوى السوق هم من يحددون من سيصعد عليها ومن سيبقى على الرصيف.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق