مقالات

الاقتصادية تكتب: الثقة بمستقبل الاقتصاد السعودي

لا يمكن فهم التطورات التي شهدتها المالية العامة للدولة بمجرد ذكر الأرقام التي ترد تباعا عن الحالة الراهنة لها، ذلك أن التحول كان ضخما بكل المقاييس في وقت قياسي. لذا، فإنه لا بد من العودة إلى تلك الأوقات الصعبة التي تراجعت فيها أسعار النفط بشكل مخيف جدا، في ظل النشاط الاقتصادي في المملكة ومعه جميع أجوائه التنموية. وخلال الرحلة الطويلة للاقتصاد السعودي مع النفط، كانت الصدمات السعرية تهدد الاقتصاد السعودي، فقد أثبتت الدراسات أن تراجع أسعار النفط يقود إلى تراجع في النمو، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى الدخول في تباطؤ طويل مثلما حصل في سنوات خلت عندما تراجعت الأسعار إلى أقل من عشرة دولارات.
وهذا أثر بشكل أو بآخر في قدرة الاقتصاد السعودي على التنافسية وتنويع القاعدة الاقتصادية. وأدى تراجع أسعار النفط في الأعوام من 2014 حتى 2017 إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، حيث تراجعت من أكثر من تريليون ريال إلى أقل من 600 مليار، وهذا التراجع المخيف كان يتسبب في ارتفاع العجز بشكل ضخم جدا، ولم تكن أمام المالية العامة أدوات تمكنها من إحداث توازن غير اللجوء إلى الاحتياطيات العامة، التي انخفضت بشكل استراتيجي.
وأمام هذا المشهد المتكرر على الاقتصاد السعودي، عندما تراجعت أسعار النفط، تم تطوير السياسات المالية في البلد، وإقرار تشريعات ضريبية جديدة على الاقتصاد، شملت الضريبة على السلع الانتقائية وضريبة القيمة المضافة ورسوم العمالة الوافدة، وأيضا تعديلات في الرسوم المختلفة، تبع ذلك تشريعات أخرى، كالمشتريات الحكومية، والإقامة الدائمة. ولعل الأهم من هذا وذاك اعتماد آلية جديدة للتمويل من السوق العالمية من خلال استخدام أدوات الدين، وهذا في مجمله أسهم في صنع استقرار اقتصادي لافت، فقد استعادت الميزانية قدراتها على النمو.
وقبل عدة أيام، أعلنت الموازنة التمهيدية، التي تجاوزت مصروفاتها سقف التريليون للمرة الثانية على التوالي، كما ارتفعت الإيرادات إلى أكثر من 800 مليار مع تراجع النمو في العجز والدين العام، وهذا كله جاء بفضل الدعم القوي، الذي وجدته المالية العامة من الإصلاحات المالية التي قادت إلى نمو كبير في الإيرادات غير النفطية من 166 مليارا عام 2016 إلى نحو 300 مليار في عام 2018، بمعدل نمو مرتفع جدا بلغ 21 في المائة. وقد استطاعت القيمة المضافة وحدها تعزيز الإيرادات بنحو 50 مليار ريال، والأهم أن إدخال هذه الأنواع الجديدة من الضرائب والرسوم على الاقتصاد السعودي تم بهدوء كبير دون ارتباك أو خلل في أي قطاع.
بهذه الخطوة، ومع التدفق النقدي الضخم من خلال الاستثمارات الأجنبية وأدوات الدين، فإن المستقبل واعد جدا مع نمو القطاع غير النفطي بأكثر من 3 في المائة، ما يعزز فرص تنويع القاعدة الاقتصادية ودخول التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، وتقنية Blockchain التي ستقود إلى مزيد من التحسن في الإيرادات العامة، وفي القدرة على إدارة الاقتصاد السعودي.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق