تقنية المعلومات

ببساطة ودون تعقيد.. ما قصة القطاع اللغز أو الـ”فنتك”

في أبريل من عام 2018 أطلقت “ساما” مبادرة سمتها “فنتك السعودية”، قالت إنها تهدف من خلالها إلى دعم وتعزيز التكنولوجيا أو التقنية المالية وذلك تماشياً مع رؤية 2030 التي تسعى من خلالها المملكة إلى إنهاء عصر الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل.

ومنذ ذلك الحين، منحت “ساما” 22 شركة تقدم منتجات وخدمات تقنية مالية مختلفة مثل الإقراض الجماعي وخدمات المدفوعات تراخيصَ تسمح لها بالعمل في قطاع الـ”فنتك” بالسعودية، وذلك وفقاً لأحدث البيانات المتاحة على موقع المبادرة.

كما أن هيئة سوق المال وسعياً منها إلى تطوير منتجات جديدة ودعم صناعة التقنية المالية (FinTech) في السوق المالية، قد تبنت مبادرة جديدة بأسم “مختبر التقنية المالية” وتعمل على إصدار إطار عمل تنظيمي مصمم لتعزيز ودعم جوانب الابتكار في السوق المالية.

وفي ضوء هذا الاهتمام الرسمي والاستثماري المتزايد بدأ مصطلح الـ”فنتك” يتكرر كثيراً على مسامع الناس، وهو ما جعل بعضهم يتساءل عن ماهيته، غير أن الإجابة الشهيرة التي يتلقونها في أغلب الأحيان هي أنه مصطلح إنجليزي نتج عن دمج الحروف الأولى من كلمتي Financial وTechnology، ومعناه التقنية المالية.

اقتصار تعريف الـ”فنتك” على مجرد توضيح أصل الكلمة جعل هذا المجال يبدو بمثابة اللغز للكثير من العامة والمستثمرين على حد سواء، حيث يتركهم ذلك مع أسئلة لا إجابة لها، من بينها على سبيل المثال: ما هي التقنية المالية أصلاً؟ وكيف ظهرت؟ وما هو تأثيرها المحتمل على القطاع المصرفي التقليدي؟ وكيف يمكن للمستهلكين والمستثمرين الاستفادة منها؟ وأخيراً السؤال الأهم: لماذا هذا الاهتمام الكبير بها في السنوات الأخيرة تحديداً؟

أولاً وقبل كل شيء، إن الـ”فنتك” ليست اختراعًا جديدًا كالترانزستور. خدمات مثل “باي بال” أو “أبل باي” هي “فنتك”. الشراء عبر الإنترنت باستخدام بطاقة الائتمان أو تداول الأسهم عبر منصة تداول على الإنترنت هو “فنتك”. سحب المال من ماكينة الصراف الآلي هو أيضاً “فنتك”.

بشكل عام تعتبر الـ”فنتك” هي أي تكنولوجيا يتم تطبيقها في مجال الخدمات المالية أو استخدامها في مساعدة الشركات والأفراد على إدارة الجوانب المالية لأعمالهم. والـ”فنتك” بالمناسبة موجودة بشكل أو بآخر منذ ما يقرب من 150 عاماً.

البدايات.. محطات فارقة

إن العلاقة بين مجالي التمويل والتكنولوجيا تعود بدايتها إلى الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، وتحديداً إلى العام 1866 حين دخل أول كابل بحري لاتصالات التلغراف عبر الأطلسي حيز التشغيل، موفراً أول بنية تحتية للعولمة المالية.

وفي عام 1918 أصبح التلغراف أساساً لخدمة “فيدوير فندز سيرفس” وهو نظام اتصالات خاص أنشأه الفيدرالي الأمريكي لمعاجلة تحويلات الأموال بين البنوك الفيدرالية الـ12 التابعة له. واستمر القطاع المالي في استخدام التلغراف في التحويلات المصرفية حتى أوائل السبعينيات.

تم بناء الجزء الأكبر من البنية التحتية للتكنولوجيا المالية خلال الفترة ما بين عامي 1950 و1970. ففي عام 1950 قدمت شركة “دينرز كلوب” أول بطاقة ائتمان حديثة، قبل أن تنافسها عليها في السنوات اللاحقة شركات مثل “أمريكان إكسبريس” و”بنك أوف أمريكا” و”ويلز فاجو”.

 

في بدايات قطاع البنوك كان يتم حفظ وتسجيل المعاملات في سجلات ورقية ضخمة، وهو ما أدى إلى أن تستغرق عمليات مصرفية بسيطة مثل السحب والإيداع الكثير من الوقت، وفي نفس الوقت جعلها عرضة للأخطاء والاحتيال اليدوي.

وظل الوضع على هذه الحال إلى أن تمت الاستعانة بأجهزة الكمبيوتر الخاصة بـ”آي بي إم” في الستينيات، وهي الخطوة التي غيرت وجه الصناعة المصرفية تماماً. فقد ساهمت أجهزة “آي بي إم” في توفير الأتمتة والسرعة والشفافية وكذلك الثقة في النظام.

مهدت حوسبة الأعمال المصرفية لظهور أجهزة الصراف الآلي في الستينيات والسبعينيات لتلبية متطلبات السحب النقدي خارج ساعات العمل. وفي السنوات اللاحقة بدأت أجهزة الصراف في تقديم خدمات إضافية مثل الاستفسار عن رصيد الحساب وتغيير كلمة المرور وتعديل تفاصيل الملف الشخصي.

كان ظهور الإنترنت في التسعينيات محطة فارقة في العلاقة بين التكنولوجيا والقطاع المالي، حيث قامت البنوك بإنشاء تطبيقات على الإنترنت من شأنها تمكين العميل من القيام بمعاملات من خلال موقع ويب أثناء جلوسه في منزله أو مكتبه. غيّر الإنترنت طريقة تفاعل العملاء مع البنوك والتي بدأت تتجه نحو الخدمات المصرفية الشبكية.

بعد ذلك أصبحت الخدمات المصرفية أقرب إلى العميل من أي وقت مضى مع إتاحتها على الهاتف الجوال.

كانت الخدمات المصرفية عبر الرسائل النصية هي أول شكل من أشكال الخدمات التي وفرتها البنوك لمستخدمي الجوال في أواخر التسعينيات.

كان النجاح الهائل الذي حققه جهاز “آيفون” الذي أطلقته “أبل” في 2007 بمثابة بداية فعلية لعصر الجوالات الذكية الذي دفع معظم البنوك إلى إتاحة خدماتها المصرفية عبر تطبيقات يتم تثبيتها على هذه الجوالات بعد أن كانت تلك الخدمات متاحة فقط على أجهزة الكمبيوتر.

لماذا كل هذا الاهتمام بالـ”فنتك” الآن؟

في أعقاب الأزمة المالية العالمية في عام 2008 تضافر العديد من العوامل التي مهدت الطريق أمام ثورة الـ”فنتك”.

وكان أول هذه العوامل هو فقدان الكثير من المستهلكين للثقة في البنوك الكبرى ومديري الأموال وهو ما دفع الجهات التنظيمية إلى السعي لتحسين أمان وسلامة النظام المالي من خلال إقرار لوائح وتشريعات زادت بشكل كبير من العبء التنظيمي على المؤسسات المالية التي تم إجبارها على تحويل غالبية تركيزها ومواردها الداخلية إلى تطوير إدارة المخاطر لديها.

في الوقت نفسه حرص العديد من الجهات التنظيمية على تشجيع ظهور منافسة غير تقليدية للمؤسسات المالية الكبرى من قبل المستثمرين المهتمين بالاستثمار في القطاع المالي وذلك من أجل توفير اختيارات أكبر للعملاء وتعزيز نزاهة السوق.

على صعيد آخر، ساهم انخفاض أسعار الفائدة في السنوات التالية للأزمة في تدفق جزء كبير من رؤوس الأموال إلى شركات رأس مال المخاطر بحثاً عن عوائد استثمارية أفضل. وساعدت هذه التدفقات على إتاحة تمويل أكبر لمجموعة واسعة من رواد الأعمال المبدعين الذين لديهم أفكار واعدة يمكنها تحسين الخدمات المالية باستخدام التكنولوجيا.

أما العامل الثاني الذي ساهم في بزوغ نجم الـ”فنتك” في السنوات الأخيرة هو ظهور تقنيات حديثة في العديد من الصناعات تتيح أساليب جديدة يمكن تطبيقها أيضاً في مجال الخدمات المالية مثل الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وواجهة برمجة التطبيقات وتعلم الآلة والحوسبة الكمية والحوسبة السحابية.

في حين أن الكثير من المؤسسات المالية كانت من بين أوائل كيانات القطاع الخاص التي استثمرت في تطوير تلك التكنولوجيات إلا أنها لا تزال غير قادرة على تحقيق الاستفادة القصوى منها، وذلك لأنها استثمرت بالفعل مئات المليارات من الدولارات على مدار الأربعين عاماً الماضية في بناء أنظمتها التقليدية الحالية مما يصعب من فكرة التخلي عنها.

الأنظمة القديمة جعلت من الصعب على المؤسسات المالية الكبيرة مواكبة بعض الفرص الجديدة المثيرة للاهتمام التي يوفرها التطور السريع للتكنولوجيا، وذلك على عكس رواد الأعمال الشباب والشركات الناشئة التي تبدأ كل شيء من الصفر على أساس تقني متطور وقوي.

انقلاب مزاج المستهلكين .. مستقبل البنوك

أما العامل الثالث والأخير فيتمثل في تغير توقعات العملاء. فبينما كانت البنوك والمؤسسات المالية الكبرى لا تزال تكافح في محاولة تحديث نظمها القديمة كانت شركات مثل “أوبر” “أير بي إن بي” و”واتساب” و”فيسبوك” و”ويتشات” قد أحدثت بالفعل ثورة ليس في صناعاتها فحسب بل كذلك في توقعات العملاء حول تجاربهم الرقمية في كافة المجالات.

هذه الشركات الجديدة بدأت ترسخ لدى المستهلكين مفهوما جديدا مفاده أن الخدمات الرقمية يجب أن تكون سريعة ومرنة وشفافة ومناسبة للأذواق الشخصية. ومع انتشار هذا المفهوم بدأ عدد متزايد من المستهلكين يرى أن الخدمات المالية قديمة ومقاومة للتغيير. هذا التذمر يبدو واضحاً لدى العملاء صغار السن تحديداً والذين يشعرون بالإحباط من الخدمات المصرفية التقليدية التي توفرها لهم البنوك الكبرى.

في محاولة لاستغلال حالة التذمر والإحباط التي بدأت تشعر بها أعداد متزايدة من العملاء تجاه البنوك في السنوات التالية للأزمة المالية العالمية سارع عدد من شركات رأس مال المخاطر إلى وضع مليارات الدولارات تحت تصرف رواد الأعمال الشباب الذين لديهم حلول تقنية للمشاكل التي يعاني منها مستخدمو الخدمات المالية التقليدية.

فمقارنة مع 1.2 مليار دولار فقط تم استثمارها في مجال الـ”فنتك” في عام 2008، ارتفعت الاستثمارات التي تم ضخها في المجال إلى 50.8 مليار دولار في عام 2017، قبل أن ترتفع بنسبة 120% لتصل إلى 111.8 مليار دولار في عام 2018.

أخيراً، إن شركات الـ”فنتك” التي يزيد عددها اليوم على عشرة آلاف شركة حول العالم تستمر في جذب انتباه المزيد من العملاء الذين تحاول فهم وتلبية احتياجاتهم بأكثر الطرق سهولة ومرونة.

ومن المرجح أن التطور التكنولوجي الذي تقوده هذه الشركات سيغير وجه صناعة الخدمات المالية خلال العقد المقبل بشكل يجعل البنوك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما محاولة مواكبة هذا التطور ودمجه في أنظمتها أو الاندثار في غضون 20 أو 30 عاماً لتصبح جزءًا من التاريخ.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق