البنوك

أسعار الفائدة السلبية ليست ترياقا سحريا لعلة الاقتصاد

في وقت سابق هذا الشهر سألت شخصا بارزا في السياسة النقدية الأمريكية في السابق، ما إذا كان يعتقد أن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة يمكن أن تتهاوى إلى النطاق السلبي عمدا (على اعتبار أن ذلك حركة مدروسة لسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بدلا من كونها نتيجة لتقلب السوق).
أجاب بكل تأكيد “لا!”، موضحا أنه هو ومعظم زملائه السابقين يكرهون بشدة فكرة أسعار الفائدة المنخفضة بغض النظر عن حقيقة أن أوروبا واليابان جربتاها لبعض الوقت (والرئيس دونالد ترمب ربما يفضل أن يحذو بنك الاحتياطي الفيدرالي حذوهما).
أوضح أن هذا يعود جزئيا إلى أنه يخشى من أن تؤدي أسعار الفائدة المنخفضة إلى تشويه الأسواق. وكما أشار بنك التسويات الدولية، وهو البنك المركزي للبنوك المركزية العالمية، في تقرير بهذا الشأن، استخدام السياسة النقدية غير التقليدية ينطوي على خطر “تآكل حوافز القطاع الخاص للحفاظ على مخزونات كافية ضد الضغوط المالية”. لكن هناك أيضا عامل مؤثر آخر هو العامل النفسي (السيكولوجي).
عندما تصبح المعدلات سلبية يمكن أن يسهم ذلك في إيجاد شعور بأن الأسواق تدخل في “حالة غير غريبة”، حسبما قال سكوت كليمونز، كبير خبراء الاستثمار في إدارة الثروات الخاصة لدى مصرف براون براذرز هاريمان.
الشخص البارز في السياسة سابقا الذي تحدثت إليه جادل بأن هذا يجعل الناس يشعرون بالقلق لدرجة أنه يقوض فائدة القروض الرخيصة. وأضاف موضحا: “الناس أكثر قلقا. وهذا يزعزع الثقة”.
لفترة طويلة ظل الاقتصاديون يميلون إلى التركيز على قضايا ملموسة مثل الناتج المحلي الإجمالي والمعروض النقدي. لكن بعد الأزمة المالية عام 2008 اضطرت المهنة لتوسيع آفاقها.
الأمر الملاحظ بوضوح هو أن الاقتصاد السلوكي الذي ظل قائما منذ عقود، أصبح أكثر تأثيرا وأصبحت الرؤى السيكولوجية جزءا من النماذج الاقتصادية.
في الوقت الذي انحدر فيه العالم إلى منطقة مجهولة مع تجارب السياسة النقدية، يفكر بعض محافظي البنوك المركزية في كيفية تأثر ثقافة وتصور المستهلك. وتساءل بعض الاقتصاديين العاملين في البنوك المركزية، مثل كلاوديو بوريو من بنك التسويات الدولية عما إذا كانت أسعار الفائدة المنخفضة ترسل إشارة مربكة للمستثمرين. في تقديري هذا أمر طال انتظاره.
اعتاد الاقتصاديون والصحافيون أن يفترضوا أن البنوك المركزية أثرت في الاقتصاد ببساطة عن طريق التحكم في المعروض النقدي وسعر النقد. لكن كما يوضح دوجلاس هولمز، عالم الأنثروبولوجيا، في كتابه “يكونوميكس أوف ووردز”Economy of Words المنشور في 2013، الميكانيكا النقدية ليست سوى جزء من اللعبة؛ القصص التي تخبرنا بها البنوك المركزية لها تأثير قوي في الاقتصاد.
انظر إلى اليابان. عندما حدث الانكماش في التسعينيات، معظم الاقتصاديين عزوه إلى التراجع الاقتصادي والأزمة المالية. كان هذا بالطبع صحيحا جزئيا، لكنني كنت أعيش في البلاد في ذلك الوقت ولاحظت أن عددا من قادة الأعمال (وكذلك الأشخاص العاديين) افترضوا أن السلطات كانت تخفي مستوى القروض الرديئة في النظام.
أدى هذا إلى زيادة موقف عدم الثقة، إذ افترض المستثمرون أن الأسعار انخفضت بشكل أكثر، ما أدى إلى تفاقم الظروف الانكماشية. (يتعين على الصين أن تكون على علم بذلك بالنظر إلى مشكلات القروض الرديئة الخاصة بها).
في وقت لاحق أطلق بنك اليابان تجارب سياسة نقدية لمكافحة الانكماش، بما في ذلك، في نهاية المطاف، أسعار فائدة سالبة. لكن هذا كان له فيما يبدو تأثير ضئيل في سيكولوجية المستهلك أو الشركات. على العكس من ذلك، عندما أجريت مقابلة مع مستثمرين هناك، بدا أنهم أكثر ذعرا مما كانوا، لأنهم يخشون من أن تلك التجارب الجذرية تشير إلى أن بنك اليابان يعرف أمرا سيئا هم لا يعلمونه.
أظن أن شيئا مماثلا قد بدأ يحدث في سويسرا أخيرا حيث أسعار الفائدة منخفضة حاليا. كذلك هو الحال في منطقة اليورو، إذ دفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرة أخرى إلى المنطقة المنخفضة.
قد توحي النظرية الاقتصادية أن أسعار الفائدة المنخفضة يجب أن تحفز مزيدا من الشركات والمستهلكين على الإنفاق، ففي النهاية، لماذا يدخر أي شخص عندما تفرض المصارف رسوما على الاحتفاظ بالنقد؟ كل ما عليك فعله هو قراءة الصحف الشعبية الألمانية لمعرفة مدى عدم شعبية هذه التجربة.
في الواقع، تتمثل المخاطرة في أن أسعار الفائدة المنخفضة تغذي ببساطة مخاوف المستثمرين من أن هناك شيئا ما دائما خاطئ جدا في عالم “أليس في بلاد العجائب”.
هل هناك حل؟ الحل الواضح هو أن السياسيين يجب أن يتوقفوا عن رمي الحمل الثقيل على البنوك المركزية، والبدء في استخدام أشكال أخرى من الحوافز الاقتصادية (مثل الإنفاق على البنية التحتية) والإصلاح الهيكلي الذكي لإحداث النمو.
لا شك أن كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي الجديدة، ستتوقف عند هذه النقطة. لكن لا يأخذك الحماس وتعتقد أن هذا سيحدث في أي وقت قريب، نظرا إلى حالة الديمقراطيات الغربية.
ربما ينبغي لمحافظي البنوك المركزية النظر في خيارات أخرى. يمكن للمرء تجنب الحديث عن أسعار الفائدة المنخفضة واستخدام الأساليب التي توفر الدعم بدلا من ذلك، لكنها معقدة للغاية لدرجة أن البشر يكافحون لفهمها (هذا ما تسبب به التسهيل الكمي بشكل جزئي). أو، إذا كان يتعين عليهم فعل أشياء غريبة يجب على محافظي البنوك المركزية أن يتحركوا لمواجهة الانطباع بأن المستهلكين سيقعون في حفرة من الاقتصاد الغريب لا غرار لها.
شيء واحد لا يحدث معنويات إيجابية للمستهلك: تحويل السياسة النقدية إلى شكل من أشكال الحروب السياسية، وتمتمة عبارات حول أسعار الفائدة المنخفضة، أو تهديد بحدوث ركود جديد. دونالد ترمب انتبه! أسعار الفائدة السلبية (أو الصفرية) ليست عصا سحرية.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق