تقنية المعلومات

عقارب الساعة لن تعود للوراء .. كيف ستغير الـ”فنتك” قواعد اللعبة في سوق الأسهم؟

قبل عامين تقريبًا، وتحديداً في ديسمبر من عام 2017 تبنت هيئة السوق المالية مبادرة “مختبر التقنية المالية” (Fintech lab) التي تعهدت خلالها بتمكين المؤهلين من المتقدمين إليها من اختبار حلول التقنية المالية المرتبطة بأنشطة الأوراق المالية ضمن إطار تنظيمي أخف، وذلك في أول تحرك رسمي بالمملكة تجاه دعم وتشجيع أنشطة الـ”فنتك”.

وبداية من يناير 2018 تقدم عدد من الشركات إلى الهيئة بطلبات رسمية للحصول على تراخيص لمزاولة نشاط التقنية المالية بالمملكة، وتم منح التراخيص لبعضها بالفعل بعد التأكد من تحقيقها لعدد من الاشتراطات المطلوبة، وهو ما سمح لها بالبدء في مزاولة أعمالها فورًا وتجربة منتجاتها وخدماتها المتصلة بالتقنية المالية.

هذا السعي الحثيث من قبل الهيئة لدعم وتشجيع الشركات الناشئة ورواد الأعمال المهتمين بمجال التقنية المالية هو في الحقيقة جزء من اهتمام عالمي متزايد خلال السنوات العشر الأخيرة بتطبيق أحدث أساليب التكنولوجيا في مجال الخدمات المالية، في موجة من الممكن جدًا أن تؤول إلى تغيير شكل القطاع المالي الذي نعرفه إلى الأبد.

بشكل سريع سيحاول هذا التقرير إلقاء الضوء على أبرز تقنيات الـ”فنتك” التي من المرجح أن يكون لها دور كبير في تشكيل مستقبل صناعة الاستثمار وفي القلب منها سوق الأسهم.

أجيال جديدة يصعب إرضاؤها

منذ نهاية عام 2008 ونجم شركات التقنية المالية أو الـ”فنتك” يواصل الصعود، حيث تكتسب هذه الشركات مع مرور الوقت مساحات متنامية في مجالات كان من الصعب جداً على الصغار المنافسة فيها مثل الخدمات المصرفية والتأمين وخدمات الدفع والوساطة المالية وإدارة الأصول وكذلك البورصات.

بدعم من الأجيال الجديدة وبالأخص جيل الألفية الذي بمجرد أن شب عوده وخرج من الجامعة إلى سوق العمل وجد نفسه يعيش بدايات العصر الرقمي تكسب شركات الـ”فنتك” كل يوم أرضاً جديدة. فقد أتاح ظهور التكنولوجيا لهذه الأجيال إمكانية الوصول إلى أشياء كثيرة بسهولة وشفافية لذلك أصبحت أكثر سخطًا تجاه الخدمات والمنتجات التي لا تواكب العصر الرقمي. وهذا بالضبط ما تحاول شركات الـ”فنتك” استغلاله.

هذه التطورات جعلت اللاعبين التقليديين في القطاع المالي بكافة مجالاته يستنفرون جهودهم من أجل الدفاع عن أعمالهم وحصصهم السوقية من خلال الاستثمار بكثافة في مجال الـ”فنتك” الذي لم يعد يضم الشركات الناشئة فقط بل أصبح يضم كذلك عملاقة التكنولوجيا مثل “جوجل” و”آبل” و”أمازون” فضلاً عن كبرى شركات الاتصالات مثل “فودافون” وآيه تي آند تي” و”فيرزون”.

بالنسبة للأسواق المالية هناك عدد من تطبيقات الـ”فنتك”التي ستؤثر على كيفية عمل هذه الأسواق في المستقبل. وفي مقدمة هذه التطبيقات تأتي تلك التي تعتمد على تكنولوجيا الـ”بلوك شين” والتي من المرجح أن تصبح مسؤولة في العقد القادم عن تشغيل البنى التحتية للسوق بطريقة أكثر فاعلية وشفافية.

الـ”بلوك شين” .. البورصات تتسابق

ما سبق أصبحت تدركه جيدًا هيئة السوق المالية وغيرها من الجهات التنظيمية حول العالم. فوفقًا لبيانات المنتدى الاقتصادي العالمي، توجد هناك حاليًا أكثر من 25 دولة حول العالم تستثمر مجتمعة أكثر من 1.3 مليار دولار في تطوير تطبيقات لتكنولوجيا الـ”بلوك شين” وهو ما نتج عنه إصدار أكثر من 2500 براءة اختراع.

وفي الوقت ذاته، من المتوقع أن يتم تخزين بيانات نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول عام 2027 باستخدام تكنولوجيا الـ”بلوك شين” والتي تعمل بمثابة دفتر أستاذ رقمي يخزن تفاصيل كل معاملة على جميع أجهزة الكمبيوتر الخاصة بأعضاء الشبكة مما يجعل من الصعب جداً إن لم يكن من المستحيل التلاعب بتفاصيل المعاملات.

ومن أجل الدفاع عن أعمالها في مواجهة المنافسين الجدد المحتملين من قطاعي التكنولوجيا والاتصالات السلكية واللاسلكية بدأت أغلب البورصات حول العالم (وفي مقدمتها بورصتا لندن وشيكاغو والبورصتان الألمانية والأسترالية) السباق على تطوير واكتشاف التطبيقات الممكنة لـ”بلوك شين” التي بإمكانها أن تحل محل البنى التحتية الحالية للسوق ولو جزئيًا.

يمكن أن يؤدي اعتماد تكنولوجيا دفتر الأستاذ الرقمي الموزع في عمليات التسوية والمقاصة بين المتداولين في البورصة إلى إنجاز هذه العمليات بشكل فوري وبتكلفة أقل، وهو ما سيلغي الحاجة إلى تدخل مركز مقاصة الأوراق المالية وبالتالي يتم تفادي الأخطاء والتكاليف المحتملة المرتبطة به.

في يناير من عام 2016 استحوذت البورصة الأسترالية على 10 ملايين سهم في شركة “ديجيتال أسيت هولدينجز” النشطة في مجال تطوير تطبيقات الـ”بلوك شين”. وبعد بضعة أشهر أعلنت البورصة أنها انتهت من إعداد إصدار تجريبي لنظام بديل لنظام التسوية الحالي الخاص بها قائم على تكنولوجيا الـ”بلوك شين”. ومن المتوقع أن يتم إطلاق النظام الجديد في عام 2021.

وتشير تقديرات البورصة الأسترالية إلى أن النظام الجديد القائم على تكنولوجيا الـ”بلوك شين” من المرجح أن يخفض تكلفة المعاملات بالبورصة بنحو 15%، كما تتوقع أن يكون له مزيد من الآثار الإيجابية على السوق مثل حدوث زيادة محتملة في السيولة والمعاملات.

تحليل كل كلمة وكل حرف

“تحليل النص” أو “التنقيب في النص” هي أيضًا واحدة من بين التقنيات التي من شأنها التأثير على صناعة الاستثمار.

تتيح هذه التقنية إمكانية إجراء معالجة لمجموعات كبيرة من البيانات النصية والصوتية غير المهيكلة باستخدام برامج حاسوبية والخروج باستنتاجات ذات مغزى من أجل المساعدة في عملية صنع القرار. هذه البيانات قد تكون ملفات الشركة أو أخبارها أو تقاريرها الفصلية أو حتى المنشورات المكتوبة حولها على مواقع التواصل.

وهناك أيضاً تقنية أخرى تسمى “معالجة اللغة الطبيعية” (NLP) وهي مجال بحثي تتقاطع فيه علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي مع اللغات الطبيعية ويركز بشكل أساسي على تطوير برامج حاسوبية بإمكانها تحليل وتفسير اللغات البشرية. وتتضمن المهام التي تم تطوير هذه البرامج من أجلها أشياء مثل الترجمة والتعرف على الكلام واستخراج النصوص وتحليل المشاعر وتحليل الموضوع.

على سبيل المثال، يمكن استخدام تطبيقات “معالجة اللغة الطبيعية” في مراقبة وتحليل تقارير وتعليقات المحللين على الأداء المالي للشركة على مدار فترات زمنية طويلة، واستنتاج ما إذا كان أداؤها يتغير للأفضل أو الأسوأ، وهو ما سيسهل من عملية اتخاذ القرار الاستثماري على المستثمر. بضغطة زر يمكن للمستثمر أو المحلل إجراء هذا التحليل لكل الشركات الموجودة في السوق.

أكثر ما يثير الاهتمام حول هذه التقنية هي أنها ستساعد المستثمر على تحديد الاتجاهات والمؤشرات قصيرة الأجل حول وضع أي شركة أو سهم أو حدث اقتصادي قد يكون له تأثير مستقبلي. فمن الممكن مثلاً أن يعطيك تحليلاً لتغريدات الجمهور على “تويتر” باستخدام هذه التقنية مؤشرات حول حجم الإقبال المحتمل على أي اكتتاب عام.

استشعار الخطر

“تعلم الآلة” واحدة من التقنيات التي تستخدمها شركات الـ”فنتك” في تطوير منتجاتها وخدماتها. وبإمكان هذه التقنية مساعدة المستثمر على امتلاك رؤية ثاقبة حول ظروف السوق المتغيرة واكتشاف اتجاهاته السلبية قبل حدوثها من خلال تحليل المعلومات المتعلقة بأشياء مثل سيولة الشركة وشركائها التجاريين وميزانيتها العمومية وحجم ديونها مما يسمح بالتحوط ضدها والحفاظ على قيمة الأصول.

كذلك قد يساعد تحليل وتقييم البيانات البديلة باستخدام تقنيات “تعلم الآلة” على التنبؤ بتراجع أرباح الشركات وبأداء الأسهم في المستقبل فضلاً عن إمكانية التحقق من جودة البيانات وتحديد المشكوك فيه منها. وباستخدام نفس التقنية يمكن للمحللين تحليل بيانات السوق وأنماط التداول واكتشاف ما إذا كانت هناك ضغوط بيعية أو شرائية على السهم.

بفضل قدرتها القوية على الابتكار وتطوير واستخدام التقنيات المشار إليها وأخرى غيرها، تعمل الشركات والجهات النشطة حالياً بمجال الـ”فنتك” على جعل صناعتي التمويل والاستثمار أسرع وأكثر كفاءة من خلال توفير منتجات وخدمات مالية أفضل بكثير من المتاحة الآن. هناك من يتصدر هذا السباق وهناك من يحاول فقط المجاراة والنجاة بنفسه، وهناك من يقف متفرجًا.

المصدر: ارقام

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق