متنوع

مع تفاقم أزمة الغذاء العالمية .. طعام المختبرات يكتسب زخما مستقبليا

تكشف بيانات الأمم المتحدة وتقارير المنظمات الدولية العاملة في مجال الإنتاج الغذائي، عن أرقام تبث روح التفاؤل وتصنع شعورا بالارتياح تجاه المستقبل، إذ تكشف عن أن الإنتاج العالمي من الغذاء يفوق حاليا احتياجات جميع سكان الكرة الأرضية، ويكفي ويفيض عن إطعام كل البشر.
لكن سريعا ما تذهب روح التفاؤل والارتياح، ليحل محلها غصة وحالة من التشاؤم تجاه الغد، عندما تضيف تلك البيانات والتقارير أن عدد الأشخاص الجوعى على المستوى الدولي ازداد خلال الأعوام الأربعة الماضية، وأن عدد هؤلاء الجوعى ارتفع على المستوى العالمي من 815 مليون نسمة عام 2015 إلى 821 في العام الماضي، واليوم واحد من كل تسعة أشخاص لا يجد ما يكفيه من طعام.
وبحلول 2050 من المتوقع أن يصل عدد سكان الكرة الأرضية إلى 9.8 مليار نسمة، ما قد يمثل ضغطا أكبر بكثير على الإنتاج الإجمالي من المواد الغذائية، مقارنة بالوضع الحالي.
وتشير التوقعات الدولية إلى أنه بحلول منتصف القرن، سيزيد الطلب على الغذاء بنحو 60 في المائة، مقارنة بالمعدلات الراهنة، في الوقت الذي يشهد فيه المناخ العالمي تغيرات ملحوظة، بالتزامن مع تغيرات في طبيعة التربة، وتقلص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، أضف لذلك نقص المياه وتلوثها، وتفاقم عدم العدالة في توزيع الدخل، بما لذلك من تأثير على أنماط الطلب على المواد الغذائية.
وباتت قضية الأمن الغذائي إحدى أكثر القضايا إلحاحا على جدول أعمال المجتمع الدولي، فالفشل في إطعام أعداد متزايدة من البشر، في وقت يشهد فيه المناخ العالمي تغيرات لا تصب في مصلحة الإنتاج الزراعي، قد يدفع بالبشرية إلى أزمة حادة، الأمر الذي يعد بالنسبة لبعض المجتمعات قضية مصيرية، خاصة في ظل إعلان منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” أن أكثر من 50 في المائة من السعرات الحرارية لسكان كوكبنا تأتي من ثلاثة نباتات فقط الأرز والذرة والقمح.
ويفسر ذلك لـ”الاقتصادية”، الدكتور هارفي آكتون الاستشاري السابق في منظمة الفاو وأستاذ مادة المحاصيل الزراعية في جامعة ويلز، بأن هناك اتجاها عالميا لحصر أزمة الغذاء في الجانب التقني، وعدم ربطها بطبيعة المنظومة الاقتصادية والدولية السائدة.
وأضاف “قد يكون من السخرية أن قارة آسيا، التي تضم عددا من أكثر الاقتصادات سرعة ونموا في العالم مثل اليابان والصين والهند والعديد من الاقتصادات الناشئة في بلدان شرق وجنوب شرق آسيا، تعد موطنا لأكبر عدد من الأشخاص، الذين يعانون نقص التغذية، فيما يراوح عدد من يعانون من سكان القارة نقص التغذية بين 12 و15 في المائة، أما بالنسبة للجوع، فإن القارة الإفريقية تحتل المرتبة الأولى، حيث يعاني 31 في المائة من السكان الجوع”.
ويضيف آكتون: “لا شك أن هناك جوانب تقنية لا يمكن تجاهلها فيما يتعلق بمشكلة الغذاء، مثل تقلص مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، وتلوث المياه، لكن إذا علمنا على سبيل المثال أن ثلثي الأشخاص، الذين يواجهون جوعا حادا موجودون في ثماني دول فقط، وهي أفغانستان والكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان والسودان وسوريا واليمن، فإن هذا يكشف بوضوح أن العنصر الأساسي وراء تفاقم الأزمة الغذائية يتمثل في الصراعات وعدم الاستقرار السياسي، وغياب العدالة الاجتماعية وافتقاد التنمية الاقتصادية، بينما تحتل التغيرات المناخية المرتبة الثانية”.
ويحمل بعض الخبراء في المجال الزراعي البلدان الرأسمالية عالية التطور وتحديدا في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية الجزء الأكبر من أزمة الغذاء العالمي.
وتقول لـ”الاقتصادية”، الدكتوره ساندي راين، أستاذة الاقتصاد الزراعي في جامعة لندن، إن الأنماط الغذائية في البلدان المتقدمة تسهم في تعميق أزمة الغذاء العالمي، مضيفة أن “أحد أسباب تفاقم الأزمة الغذائية عالميا، يكمن في تحويل الغابات والأراضي الحراجية إلى رعي الماشية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن المطالب البيئية لإنتاج كيلو من لحم الأبقار أكثر 30 مرة من المطالب البيئية لإنتاج كيلو جرام من البروتين النباتي، سندرك حجم الإجهاد الذي تتعرض له البيئة”.
ومن وجهة نظر الدكتورة ساندي، فإن مواجهة الأزمة الغذائية العالمية يتطلب إحداث تغيير جذري في طبيعة الوجبات الغذائية في البلدان المتقدمة، مشيرة إلى أن النمط الغذائي السائد في تلك البلدان مثل الولايات المتحدة يربط بين استهلاك اللحوم وارتفاع مستوى المعيشة، ومع الترويج الدائم لنمط الحياة الأمريكي باعتباره النموذج الأرقى واجب الاتباع، فإن هذا النسق الغذائي يمتد إلى أنماط الغذاء في البلدان النامية والاقتصادات الناشئة، معتبرة أن مجتمعات مثل الهند والصين باتت أكثر اعتمادا على ذات النسق الغذائي الغني باللحوم، كما في الولايات المتحدة، وهو ما يوجد ضغطا شديدا على الموارد العالمية.
ومع هذا، فإن عددا كبيرا من الاقتصاديين مقتنعون بأن جوهر أزمة الغذاء العالمي يكمن في نقص الاستثمارات، خاصة بعد توصل عدد من التقارير الدولية، التي صدرت أخيرا إلى أن القارة الآسيوية بحاجة إلى استثمارات تقدر بنحو 800 مليار دولار خلال الأعوام العشرة المقبلة لإنتاج مزيد من الغذاء لسكانها.
ويعد الاستثمار في مجال الإنتاج الغذائي واحدا من أنجح الاستثمارات وأكثرها ربحية مستقبلا، فوفقا لتقرير “تحديات الغذاء في آسيا” سيرتفع الإنفاق الآسيوي على الغذاء من أربعة تريليونات دولار عام 2019 إلى أكثر من ثمانية تريليونات بحلول 2030.
ويشير عديد من الخبراء إلى أن تفاقم الأزمة الغذائية في آسيا، يعود في الأساس إلى اعتمادها المتزايد على استيراد احتياجاتها الغذائية من خارج القارة لتلبية احتياجاتها الأساسية، ومع تنامي السكان وارتفاع مستوى معيشتهم وبروز طبقة متوسطة أكثر ثراء، زاد الطلب على المواد الغذائية، بمعدلات تفوق القدرة المحلية على إنتاجه.
ويوضح لـ”الاقتصادية”، نايجل آرنولد، الباحث الاقتصادي أنه “خلال الأعوام العشرة المقبلة سيرتفع عدد سكان القارة الآسيوية بنحو 250 مليون نسمة، وإذا أخذنا في الحسبان التصحر وتدهور التربة الزراعية، فإن نصيب الفرد في آسيا سيتراجع خلال العقدين المقبلين من الأراضي الزراعية بنحو 5 في المائة”.
ويضيف آرنولد، أنه على الرغم من ذلك، لا يجب التقليل من شأن التطور التكنولوجي، وقدرته على مواجهة أزمة الغذاء العالمي بشكل عام، وفي آسيا بشكل خاص، فالتكنولوجيا والابتكار سيكونان أحد المفاتيح الرئيسة للحد من تفاقم الأزمة الغذائية.
ويعتقد كثير أن التطور التكنولوجي، وما بات يعرف بالطعام المزروع في أنابيب الاختبار، واللحوم النظيفة أو لحوم المختبرات، التي تنتج من زراعة الخلايا الحيوانية في المختبر بدلا من ذبح الحيوانات، ستكتسب زخما مستقبليا، بحيث يمكن أن تمثل عنصرا أساسيا في التغلب على الأزمة الغذائية العالمية بشقيها المتمثل في الجوع أو نقص التغذية.
ويقول لـ”الاقتصادية”، الدكتور توماس تشفيلد، أستاذ التغذية في جامعة بروملي، إن “هناك دائما مقاومة للتكنولوجيا الحديثة خاصة عندما تتعرض لأنماط الغذاء التقليدية والمتوارثة منذ قرون.. ولكن من المؤكد أن الأغذية المنتجة عبر أنماط التكنولوجيا الحديثة مثل لحوم المختبر ستواجه بمعارضة لبعض الوقت، ولكن مع مرور الزمن سيعتاد المستهلكون عليها.. وبحلول منتصف القرن سيكون هناك تنوع أكبر في مصادر الغذاء، وربما يتراجع بشدة استهلاك اللحوم المذبوحة، لتحل محلها لحوم المختبرات، فقبل 30 عاما كانت ثمرة الأفوكادو نادرة الاستهلاك وغريبة في معظم الدول الأوروبية، والموز لم يظهر بتلك الكثافة الراهنة إلا بعد الحرب العالمية الثانية”.
ويضيف تشفيلد “إذا لم يترافق التطور التكنولوجي مع آليات محلية ودولية لتوزيع أكثر عدلا للثروة بين الشعوب وداخل الشعب الواحد، وإذا لم يتم تأسيس نظام دولي قادر على الاستجابة السريعة لتلبية الاحتياجات الغذائية العاجلة، وإذا تواصل الفشل الراهن في إيجاد بيئة كونية قادرة على العمل لتخفيف حدة الصراعات وحلها، وفقا لآليات القانون الدولي، فإن التطور التكنولوجي قد يفاقم أزمة الغذاء العالمي، ويكون وسيلة جديدة لفرض إرادة الدول الأكثر تقدما في إنتاج الغذاء على الدول الأقل تطورا، وهو ما يعني تعميق الأزمة الغذائية وزيادة عدد الجوعى بدلا من أن يكون مدخلا أساسيا لحل المشكلة والتغلب عليها”.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق