متنوع

ترسيم حدود السعي وراء تحقيق الأرباح

في شباط (فبراير) من عام 2016، قدم إيمانويل فابر، الرئيس التنفيذي لشركة دانون، اقتراحا جذريا لكبار التنفيذيين الأمريكيين في الشركة الفرنسية متعددة الجنسيات، التي في مجال الأغذية، خلال اجتماع في وايت بلينز، نيويورك.
على نحو يخالف طبيعة الإنتاج الزراعي في الولايات المتحدة، حيث يتم تعديل الغالبية العظمى وراثيا، اقترح فابر نقل نحو نصف منتجات شركة دانون – البالغة مليار دولار من مبيعات الألبان – إلى مكونات غير معدلة وراثيا، وجادل أن هذا هو تغيير مهم من شأنه تحسين صحة التربة والتنوع البيولوجي.
رد الفعل من مساعدي فابر كان فوريا: مستحيل.
قال أحدهم إن هذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا استوردت المجموعة العلف غير المعدل وراثيا للأبقار من روسيا.
عندما ذهبوا إلى العمل، بدأ المسؤولون التنفيذيون تغيير تنبؤاتهم القاتمة حول المدة التي قد يستغرقها مثل هذا التغيير.
يقول فابر، في مقابلة في مقر المجموعة في باريس، “بعد ثلاثة أسابيع من ذلك، كانت المدة هي عشرة أعوام. بعد شهرين، كانت خمسة أعوام. أخيرا، كانت عامين – وفعلنا ذلك خلال عامين”.
أثار هذا التعهد احتجاجات قوية للغاية من بعض المزارع الأمريكية ومجموعات الألبان. لم يلحق الضرر بالمبيعات.
على الرغم من ارتفاع الأسعار، إلا أن علامة دانيمالز التجارية لألبان الأطفال، المعتمدة حاليا بأنها تحتوي على مكونات غير معدلة وراثيا، زادت حصتها السوقية من 30 إلى 40 في المائة.
قد يرفض البعض تحول شركة دانون عن المكونات المعدلة وراثيا بعدّه حيلة تسويقية، وينتقده الآخرون كونه ممارسة من الإدارة في إطلاق العنان لرغباتها، إلا أنه علامة على حدوث تغيير كبير في الطريقة التي تفكر فيها الشركات الكبيرة بشأن هدفها ومسؤولياتها – ومثال على التحديات التي تواجه الشركات في إدارة ذلك التغيير.
على مدى 40 عاما أو أكثر، التزمت مجالس إدارة الشركات بعقيدة وضعها خبير الاقتصاد ميلتون فريدمان في مقالة في عام 1970، بعنوان ممل “المسؤولية الاجتماعية للشركات زيادة أرباحها”. تم تكثيف هذا النهج في الثمانينات والتسعينيات من خلال زيادة مكافآت التنفيذيين القائمة على الأسهم.
بدأ الوضع يتغير. في آب (أغسطس) الماضي، عدلت “المائدة المستديرة للأعمال” التي تضم مجموعة الشركات الأمريكية ذات النفوذ، إعلانها الصادر منذ عقدين، إلى أن “الشركات موجودة أساسا لخدمة مساهميها”.
وقالت المؤسسة: “في حين أن كل شركة من شركاتنا تخدم هدفها التجاري، إلا أننا نشارك الآخرين التزاما تجاه جميع أصحاب المصلحة”: الزبائن، الموظفون، الموردون، المجتمعات المحلية – وفي آخر القائمة – المساهمون.
المدافعون عن فكرة أن الشركات ينبغي أن تتبنى هدفا أوسع يجادلون أن الأزمة المالية العالمية، كشفت حدود سعي الشركات وراء الربح من أجل مصلحتها.
يقولون إن ما كان فيما مضى إضافة جميلة – غالبا ما كان يتم ترتيبها بعيدا وحفظها في صندوق يسمى “المسؤولية الاجتماعية المؤسسية” – أصبح الآن ضرورة.
الشركات التي تجمع بين الربح وهدف أوسع ستستفيد من الالتزام المعزز للموظفين والزبائن. والشركات التي تفشل في ذلك لن تبقى على قيد الحياة لتصبح شركات المستقبل.
تقول سارة كابلان من كلية روتمان للإدارة في تورنتو: “الشركات على نحو متزايد هي قوة إيجابية للمجتمع، وفي الوقت الذي يرى فيه الناس حكوماتهم تخذلهم، يرون الشركات تحل محل هذا الدور”.
أما بالنسبة إلى “فكرة أن قيمة المساهمين هي الطريقة الوحيدة”، فتقول إنها “مجرد إجماع”، بالطريقة نفسها التي كان فيها نموذج المسؤولية الاجتماعية ما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما مضى إجماعا”.
فابر، البالغ من العمر 55 عاما، مليء بالحماس للغرض الأوسع لشركته، حيث وضع هدفا لتحويل دانون إلى B Corp أي شركة تتبنى طوعا أهدافا اجتماعية أوسع، لكنها تقدم أداءها الاجتماعي والبيئي، والشفافية والمساءلة للحصول على اعتماد من طرف ثالث.
يقول فابر إنه منذ الثمانينيات، فإن الاقتصاد “بدلا من خدمة الناس، بدأ فعلا يخدم التمويل وجميع العمليات – الحوكمة، الحوافز، خيارات الأسهم، لجان التعويض، المجالس المستقلة – سارت في الاتجاه نفسه”.
ويضيف أن تلبية احتياجات أصحاب المصلحة المتعددين هو “توازن دقيق للغاية.
ما يسبب لي الأرق هو وتيرة التغيير. هل نتغير بسرعة كبيرة فوق الحد؟ أو بسرعة غير كافية؟ وأين؟”
لا يعتقد الجميع أنه سيحقق هذا التوازن على الوجه السليم.
أحد الانتقادات الرئيسة لنهج أصحاب المصلحة، هو أنه يمكن أن يسمح للمسؤولين التنفيذيين بوضع معايير النجاح، ويجعلهم يفلتون من المساءلة بسبب الأداء المالي الضعيف.
تواجه شركة دانون في الأصل تدقيقا من المستثمرين، بسبب تشتيت انتباهها عن الأعمال الأكثر ربحية.
محلل القطاعات مارتن ديبو، لخص الشكوك في مذكرة عن الشركة الفرنسية نشرت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كتب: “نشعر بالقلق من أن السعي المهووس وراء تحقيق الأرباح المدفوعة بالغرض، وتأييد العلامة التجارية الاجتماعية قد يجعل شركة دانون، لا ترى قيمة عوامل الجاذبية الاستهلاكية العادية، إلا أن من المحتمل أن تكون أوسع. المساهمون، وليس أصحاب المصلحة الآخرون، هم أكثر الناس الذين بحاجة إلى الإقناع فيما يتعلق بنوايا دانون الجيدة”.
هناك مجموعة متنوعة من العوامل تدفع الشركات نحو تأكيد هدف أوسع. أحدها هو الرغبة في تعويض نقص الثقة في الشركات الذي استمر إلى فترة طويلة بعد نهاية الأزمة المالية.
وهناك آخر وهو الإدراك أن الباحثين عن عمل – خاصة المرشحين الشباب – سيتجنبون أصحاب العمل الذين لا يستطيعون إثبات أن لديهم غرضا إيجابيا وصادقا.
الإقبال المتزايد من بعض المستثمرين لدعم الشركات، التي تعمل على تحسين أدائها بحسب المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، كفيل بتوفير دفعة أخرى للتغيير.
أخيرا، هناك المصلحة الذاتية الخالصة: كما يشير النقاد، بيان “المائدة المستديرة” والمبادرات الأخرى، يمكن أن يكون مجرد وسيلة للتغلب على التهديد بإدخال تشريعات وتنظيمات جديدة.
يقول مؤيدو الشركات إنها تعالج المخاطر التي قد يشكلها النمو غير المقيد على المجتمعات المحلية ذاتها، التي تشتري منتجاتها.
روبرتو ماركيز، رئيس مجلس إدارة ناتورا آند كو، شركة مستحضرات التجميل البرازيلية، التي بصدد الاستحواذ على شركة آفون الأمريكية، قال إن هدف شركة ناتورا منذ تأسيسها إلى تحقيق “الأرباح الثلاثية”، التي تتألف من العوامل الاجتماعية والبيئية والمالية، التي يعاد صياغتها في بعض الأحيان على أنها “الأشخاص والكوكب والأرباح”.
من بين مبادرات أخرى، تحصل على المكونات المستدامة من غابات الأمازون المطرية، وفي الوقت نفسه تحافظ على نحو 18 ألف كيلو متر مربع ضد التطوير وتدعم المزارعين الصغار.
مكالمات المحللين للأرباح الربعية في شركة ناتورا لا تبدو مختلفة كثيرا عن مليون شركة أخرى مدرجة. يقول ماركيز إن هذا ينبغي ألا يكون مفاجئا: “نحن نهتم فعلا بالنتائج قصيرة الأجل، لأنني لا أعتقد أن الشركات يمكن أن تكون ذات صلة إذا لم تكن شركة ناجحة”.
مع ذلك، وضع غرض أوسع هو أمر محفوف بالمخاطر، ويجب ألا تكون متشككا لتراها.
أوانيس أوانو، أستاذ الاستراتيجية وريادة الأعمال في كلية لندن للأعمال، يبحث في تأثير مشاريع الاستدامة في قيمة الشركات.
ويقول إن الهدف هو “شيء يسعد الناس على المستوى الفردي، وليس على مستوى المنظمة”.
يمكن أن تكون لدى منظمة ما مهمة إرشادية، لكنها غير مقبولة أخلاقيا: “المافيا لديها غرض: وهو يوحد جهودها إلى حد كبير، وهو فعال جدا ويستمر لفترة طويلة … هل نريد الذهاب إلى مجال معنوي أو أخلاقي ينحرف إلى مسألة فلسفية، حول ما هو الغرض السيئ أو الجيد لمنظمتنا؟”.
يظهر بحث الأستاذ أوانو الأخير، مع جورج سيرافيم من كلية هارفارد للأعمال، أن تبني ممارسات استدامة شائعة هو على نحو متزايد مسألة تتعلق بالبقاء على قيد الحياة.
يقول “الشركات التي تتخلف في تبني أفضل الممارسات، هي تلك التي يتضرر أداؤها على المدى الطويل”.
يواجه الرؤساء التنفيذيون التهديد بأنهم إذا فشلوا – أو إذا اكتفوا بإظهار اهتمام شكلي بأصحاب المصلحة – سيتم اتهامهم “بتلميع الهدف”، ما يؤدي إلى مزيد من السخرية بشأن دوافعهم.
الطريقة الوحيدة للنجاة، وفقا للسيدة كابلان، هي أن تتخذ الشركات التي اتبعت في الأصل حجة تجارية لإجراء مسؤول عن “الابتكار في شأن المقايضات”.
أحد الأمثلة هو كيف أن شركة نايكه، التي تعرضت للهجوم بسبب ظروف عمل العمال لدى شركات التوريد، التي كانت تتعامل معها في التسعينيات، لم تحسن المعايير فحسب، بل طورت أيضا عملية تصنيع جديدة بالكامل لتخفيف الضغط عن سلسلة التوريد القديمة.
حذاء شركة الملابس الرياضية الأمريكية Flyknit “المنسوج” كان إحدى النتائج.
بالمثل، في مواجهة مقاطعة المستهلكين الأخيرة في المغرب، بدأت شركة دانون في بيع الحليب الطازج المبستر بسعر التكلفة.
كما أدخلت أيضا منتجات ذات هامش ربح أعلى، مثل الحليب قليل الدسم في أكياس بأسعار معقولة، ولبن الحبوب، والحلويات الإقليمية والموسمية.
كما اكتشفت شركة دانون في المغرب، أن الحجم والمكانة العالية يمكن أن يجعلا أي شركة، سواء مدفوعة بالغرض أم لا، هدفا أكبر.
عندما أثير احتمال الاستحواذ على شركة آفون في مجلس إدارة شركة ناتورا، أشعل ذلك نقاشا حادا حول مخاطر التعقيد الأكبر وعدم تطابق الثقافات.
يقتبس ماركيز عن أنيتا روديك، المؤسسة الراحلة لشركة بودي شوب Body Shop، التي كانت تصر على أن: “العالم ليس بحاجة إلى شركة كبيرة أخرى”، ويقول أيضا إن زيادة الحجم ستساعد شركة ناتورا “على التأكد من أن روايتنا ستسمع من قبل المزيد من الناس في المزيد من الأسر”.
هذا تبرير شائع يسمع من الشركات الكبيرة. في إشارة إلى مبادرة المكونات غير المعدلة وراثيا.
يقول فابر من شركة دانون: “انظر إلى شركات ناشئة بقيمة عشرة ملايين دولار، عليك إضافتها إذا أردت نقل مليار دولار من المبيعات خلال عامين. هذا هو ما يمكن أن تفعله العلامات التجارية الكبيرة، ولا تستطيع فعله هذه الشركات الناشئة الرائعة للغاية”.
هناك شكوك شديدة حول التركيز المتزايد على أهداف غير الأرباح، ولا سيما في الولايات المتحدة.
في خطاب ألقته هيستر بيرس، وهي عضوة جمهورية معينة في لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، قارنت تصنيفات المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة بأنها “ز”، في إشارة إلى الحرف القرمزي الذي اضطرت هستر برين في رواية “الحرف القرمزي”، إلى وضعه على صدرها في جميع الأوقات بضغط من السلطات.
تقول بيرس إن شركات تصنيف المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة تدرج أيضا أوصافا “بناء على معلومات غير مكتملة، وفضح الشركة علنا والابتعاد عنها في غلاف من اللغة الأخلاقية يوعظ به دون صدق، وبنسيان للعواقب ليخدم المصلحة الذاتية، التي تقع في النهاية على أشخاص حقيقيين”.
يصل انتقادها إلى صميم إحدى العقبات في تقييم أولويات أصحاب المصلحة المختلفة – صعوبة قياس الالتزامات غير المالية بنفس دقة واتساق المقاييس المالية.
الصعوبات الثقافية أيضا تجعل من الصعب تطبيق نهج واحد يناسب الجميع للسعي وراء الربح مع الغرض. لطالما تصرح الشركات اليابانية بشعور قوي بمهمة الشركة والمدى الطويل، لدرجة أنها في بعض الأحيان تستخدمه لتغطية النتائج قصيرة الأجل الضعيفة.
تواجه الشركات الأمريكية والبريطانية بشكل عام التهمة العكسية، بمعنى أنها تضحي بالأهداف طويلة الأجل لتحقيق أهداف الربع التالي.
التقدم نحو تحقيق أهداف طويلة الأجل يتعارض أيضا مع النهج قصير الأجل لبعض شركات إدارة الاستثمار.
في رسالته إلى الرؤساء التنفيذيين العام الماضي، تحت عنوان “شعور بالغرض”، حث لاري فينك، الذي يرأس شركة إدارة الأصول بلاك روك، الرؤساء التنفيذيين على إظهار كيفية تقديم مساهمة إيجابية في المجتمع.
يقول فابر: “كنت أتلقى الرسائل من لاري فينك، لكن من الواضح أن مديري المحافظ في شركته، كانوا لا يقرأون تلك الرسائل”.
ويضيف أن “الانفصال” سيستمر إلى أن يتم ربط حوافز شركات إدارة الأصول بأهداف أوسع، مثل خفض انبعاثات الكربون.
“في مرحلة ما، ستكون هناك حاجة إلى نقاش جاد حول مدى جدية قادة العالم المالي حيال ذلك”.
في الوقت الحالي، مجتمع الاستثمار الأمريكي يبدو منقسما. مجلس المستثمرين المؤسسيين – وهي مجموعة ضغط أمريكية تضم شركة بلاك روك كعضو مشارك دون حق التصويت “يختلف بكل احترام” مع بيان “المائدة المستديرة”، حيث قال إن “المساءلة أمام الجميع تعني أنه ليست هناك مساءلة”.
الحصول على معدل عائد لصناديق التقاعد والمؤسسات الخيرية “هو في حد ذاته مصلحة اجتماعية – مصلحة عالية جدا”، كما قال بول سينجر، مؤسس صندوق التحوط إليوت مانيجمنت النشط، لمجلة “إيكونوميست” الشهر الماضي.
لذلك، هل بإمكان شركات المستقبل العودة ببساطة إلى السعي لتحقيق قيمة المساهمين؟ التي لا تزال تحرك كثيرا من الشركات في الوقت الحاضر.
ستيفان تشامبرز، مدير معهد مارشال للأعمال الخيرية وريادة الأعمال الاجتماعية في كلية لندن للاقتصاد، يقول إن السيناريو ممكن: “ستكون هناك فرصة استثمارية في مرحلة ما حيث يكون عرض الاستثمار كالتالي: ’ينبغي أن تشترينا لأننا لا نهدر المال أو الوقت أو الطاقة على الوهم أننا منظمة غير حكومية: نحن شركة”.
يقول فابر إن ما يسمعه خارج فقاعة الشركات النخبة – بما في ذلك الأصدقاء في مزارع الألبان في منطقة جبال الألب الفرنسية حيث نشأ – يشير إلى أن التغيير لا يمكن وقفه.
“انتهى الوقت الذي كنت آخذ فيه كل شيء، ومن ثم أرد الجميل بالتبرع بالمال كشركة أو ملياردير. إن ذلك كان جيدا، إلا أنه لم يكن جيدا بما فيه الكفاية”، حسبما أضاف.

المصدر: الاقتصادية

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق