مقالات

معركة التكنولوجيا .. لمن الهيمنة؟

 نقلا عن جريدة الاقتصادية
لم يكن هناك قلق من تأجيل اجتماعات رفيعة بين الولايات المتحدة والصين، حول الاتفاق التجاري الجزئي الذي وقعه الطرفان بداية العام الحالي. لماذا؟ لأن أحدا لم يكن يتوقع من هذا الاجتماع أساسا أي نتائج عملية على الأرض، لأسباب يعرفها الجميع، في مقدمتها تفاقم الأزمة الاقتصادية بينهما، التي ولدت أزمة دبلوماسية أخيرا، بلغت حد إغلاق متبادل للقنصليات.

أما الاجتماع في حد ذاته، فكان مخصصا فقط لمراجعة الاتفاق التجاري الجزئي، ومدى الالتزام به، خصوصا من جانب بكين، الخاضعة دائما للشكوك الأمريكية، مقابل شكوك صينية تجاه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لم تتراجع منذ وصوله إلى الحكم. أي أنه ليست هناك قضايا محورية موضوعة للبحث، وإن كان العالم يأمل عكس ذلك. حتى بعد إعلان التوصل إلى الاتفاق التجاري الجزئي بين الولايات المتحدة والصين، تبقى عدة أسئلة دون أجوبة، فما بدا نزاعا تجاريا، تطور إلى نزال قوة شامل بين العملاقين الاقتصاديين.

تفاقمت العلاقات بين أكبر اقتصادين مطلع العام الجاري، بفعل الاتهامات المتبادلة بشأن تفشي وباء كورونا المستجد، الذي تعتقد الإدارة الأمريكية أن الحكومة الصينية أخفته عن العالم لمدة كانت كافية لمنح المجتمع الدولي وقتا لمواجهته بالصورة الأمثل. وزادت تفاقما نتيجة اتهامات أمريكية لإحدى الموظفات الصينيات في قنصلية بلادها في الولايات المتحدة، بالتجسس وجمع المعلومات على الأرض الأمريكية، فضلا عن المشكلات الأخرى التي أصبحت ثابتة، مثل مسألة هونج كونج والوضع في بحر الصين، وشركة هواوي، وقضية مسلمي الأيجور، وغير ذلك من مسائل، لتتفاعل في زمن اقتصادي عالمي دقيق ومضطرب.

إن مشكلة أو معركة التكنولوجيا بينهما، معركة ليست جديدة، لكنها متجددة الأدوات بين قطبين يتصارعان بالفعل في هذا الميدان علنيا. وقد مضى أكثر من عام ولا تزال التوترات بين بكين وواشنطن مستمرة، وتشهد تطورا في تعسف الإجراءات في كل مرحلة تمر بها، لما كان من المفترض أن يصبح تعاونا تجاريا وتكنولوجيا بين البلدين، لكن بسبب الصراع على التحكم في التكنولوجيا، أصبح الأمر مختلفا وهز مكونات العلاقات التجارية والاقتصادية بينهما، بل أثر في حركة مؤشرات الاقتصاد العالمي.

بدأت المعركة – كما هو معروف – بحراك شركة هواوي المتخصصة في تكنولوجيا الإنترنت، حيث تحركت الولايات المتحدة في كل الاتجاهات لمنع ما أمكن لها من صفقات بين هذه الشركة ودول يفترض أن تكون مقربة من واشنطن، بما فيها حلفاؤها الأوروبيون. فالأمريكيون يتحججون بأن الحكومة الصينية، التي تسيطر على الشركات كلها في بلادها، يمكنها أن تجبر شركة مثل “هواوي” على التجسس لمصلحتها، عبر الأدوات والمجالات الإلكترونية التي تقوم ببنائها.

وفي ظل تفاعل قضية هذه الشركة بين بكين وواشنطن، برزت أخيرا مشكلة كبيرة أيضا تتعلق بتطبيقي “تيك توك” و”ويتشات” الصينيين، اللذين حصدا جماهيرية واسعة في الآونة الأخيرة. فواشنطن تعتقد أن هذين البرنامجين يمكنهما الوصول إلى معلومات كاملة عن المستخدمين الأمريكيين، ما يعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر، وهي رؤيتها نفسها في الواقع حيال “هواوي”.

هذان التطوران ألهبا معركة التكنولوجيا بينهما، فالصين تمكنت من توفير التكنولوجيا الرخيصة والمغرية بالنسبة إلى عدد كبير من دول العالم، ما جعل الحرب التجارية بين الطرفين أكثر حدة في الأشهر القليلة الماضية، على الرغم من الاتفاق التجاري الجزئي الذي تم هذا العام. لا يبدو أن هذه المعركة ستخبو في المستقبل القريب، وذلك لأن الثقة بين واشنطن وبكين معدومة بالفعل، وهي كذلك منذ أكثر من ثلاثة أعوام، في حين أن الحكومة الصينية ليست مستعدة لتقديم تنازلات في هذا المجال، الذي تعده أكثر حيوية مقارنة بكثير من المجالات الاقتصادية الأخرى.

وفي خضم موسم الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ستكون إدارة ترمب أكثر تشددا. وبصرف النظر عن طبيعة الالتزام بالاتفاق الجزئي، فإن الحرب التجارية تتجه نحو جبهة كانت حاضرة على الساحة، إلا أنها تشتعل يوما بعد يوم.

“جبهة التكنولوجيا” ستكون حاسمة بالفعل ضمن هذه الحرب، التي لا يتوقع أحد لها نهاية في وقت قريب، ولا شكل نتائجها أيضا، خصوصا إذا ما خرجت عن السيطرة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق