مقالات

رفع الأجور لزيادة الأرباح ؟ .. درس عمره 106 أعوام من “هنري فورد”

نقلا” عن أرقام تبرر الكثير من الشركات دائماً عمليات تسريح الموظفين بالسعي لخفض التكاليف وزيادة الأرباح، وهو ما يبدو منطقياً بالنظر إلى أن العمالة تمثل أحد أبرز أوجه الإنفاق لأي مؤسسة.

لكن منذ 106 أعوام قرر “هنري فورد” زيادة أجر العمال من أجل نفس الغرض الأسمى الذي تستهدفه أي شركة: خفض التكاليف وزيادة الأرباح.

الهروب الكبير والمتكرر

في عام 1913 كان “هنري فورد” في قمة سعادته، لِمَ لا وقد أصبح الرجل ناجحاً للغاية مع ارتفاع شعبية السيارة الجديدة “موديل تي” وتضاعف إنتاجها بنفس عدد العمال؛ بسبب استحداثه خطوط التجميع.

كانت فكرة خطوط التجميع جيدة وفعالة للغاية لدرجة أنها جعلت نسبة الأجور في مصنع الشركة في “هايلاند بارك” في ميتشجان تتراجع مقارنة بالإنتاج والإيرادات.

لكن أمراً واحداً كان يزعج “فورد” بشدة: لقد ارتفعت معدلات مغادرة الموظفين للعمل بدرجة أصبحت مثيرة للقلق.

لم يعد العمل بحاجة إلى عمالة ماهرة؛ لأن خطوط التجميع تتطلب فقط تنفيذ نفس العملية بشكل متكرر، لكن هذا التكرار الممل والمتطلب لمجهود بدني كبير تسبب في استقالة العمال من وظائفهم بمعدلات عالية للغاية.

ووصل معدل دوران الموظفين لنسبة تكاد لا تصدق عند 370% سنوياً، ما اضطر مديري المصنع إلى تعيين نحو 52 ألف عامل من أجل الوصول لقوى عاملة مستقرة عند مستوى 14 ألف عامل سنوياً.

وما يظهر أكثر أزمة هروب الموظفين من العمل لدى “فورد” هو أنه في ديسمبر عام 1913 وعندما قرر المصنع منح علاوة الكريسماس للعمال الذين قضوا 3 سنوات على الأقل في العمل، فإن 640 عاملاً فقط كانوا مؤهلين للحصول على المكافأة من بين 15 ألف موظف تقريباً.

أدرك “فورد” أنه يواجه أزمة كبيرة، وبالتالي تحتاج حلاً في نفس حجمها.

قرار تاريخي.. بشروط

قرر “هنري فورد” بمشورة من صديقه “جيمس كوينز” أن يفاجئ الجميع بتغيير غير مسبوق في سياسة العمل في “هايلاند بارك”.

أعلن “فورد” أمام وفد من الصحفيين في يناير 1914 أنه قرر خفض عدد ساعات العمل اليومية في المصنع من 9 إلى 8 ساعات، مع استحداث 3 نوبات عمل بدلاً من اثنتين فقط ما يفتح الباب لمزيد من عمليات التوظيف.

لكن الإعلان الأهم كان رفع الأجر اليومي للعامل من 2.34 دولار إلى 5 دولارات، بزيادة تتجاوز 100%.

كان هذا الأجر آنذاك يمثل قفزة غير مسبوقة في صناعة السيارات، لتخرج الصحف الأمريكية لاحقاً وفي صدر صفحاتها عناوين مثل “قرار كريم من فورد” و”هنري فورد يمنح العمال 10 ملايين دولار من الأرباح”.

انتشر الخبر سريعاً في ميتشجان، ليتوافد الآلاف من الأمريكيين أمام مصنع “فورد” رغم البرودة الشديدة طالبين العمل لدى الشركة، وخلال أسبوع واحد تلقت ما يزيد على 14 ألف طلب عمل إضافي عبر البريد.

لكن لم يخل قرار رفع الأجور من بعض الشروط العملية والشخصية أيضاً، حيث أعلنت “فورد” تقسيم الأجر الجديد إلى جزأين: الأول يتمثل في أجر ثابت بقيمة 2.40 دولار والثاني 2.60 دولار كأرباح.

كل العمال كان من حقهم الحصول على الأجر، لكن اقتسام الأرباح يحتاج إلى إثبات استحقاقهم لذلك عبر عدة شروط أبرزها ضرورة مرور ستة أشهر على الأقل على وجودهم في العمل.

كما كان الرجال المتزوجون، والشباب الذين ينفقون على أحد أفراد الأسرة، والعاملات اللاتي يدعمن عائلاتهن مؤهلين للحصول على شق “الأرباح”.

لكن بعيداً عن الصفات الاجتماعية، قال “فورد” إن “الحياة النظيفة والرصينة” شرط للحصول على الأجر الأعلى، وبالتالي كان على العامل أن يثبت عدم شرب الخمور أو الإساءة إلى أسرته والحفاظ على منزله نظيفاً والتمتع بأخلاق مستقيمة.

ذكر “فورد” أن الهدف كان تحسين الوضع المالي والأخلاقي للعمال، وهو ما استلزم تعيين عدد كبير من المخبرين لرصد أوضاع العمال المؤهلين لزيادة الأجر.

لكن هذه الخطوة لم تستمر فترة طويلة، خاصة مع ارتفاع عدد العمال وتحول رأي “فورد” بشأن الأمر لاحقاً بقوله: “لقد كان شعوراً أبوياً، لكن لا مكان لهذا في الصناعة، التدخل في الحياة الشخصية للعمال أصبح غير مناسب”.

تغيير كل شيء

لم يقرر “فورد” زيادة أجور العمال لمجرد أنه “رجل طيب”، ولكن الهدف الأول والأبرز كان الحفاظ على القوى العاملة وبالتالي استمرارية العمل والإنتاج والأرباح بالتبعية.

كما أن قرار زيادة الأجر وخفض ساعات العمل اليومية لم يساهم فقط في إقبال الأمريكيين على العمل لدى “فورد” أو توقف الهروب المستمر للعمال، لكنه أيضاً حقق فوائد مالية مباشرة للشركة.

المال نفسه لم يكن قضية لها وزن كبير بالنسبة لشركة “فورد” آنذاك، فالعشرة ملايين دولار التي تم إنفاقها في العام الأول لرفع الأجور كانت أقل من توزيعات الأرباح على المساهمين والتي بلغت 11.2 مليون دولار آنذاك.

بينما على الجانب المقابل، تراجع معدل دوران العمالة من 370% سنوياً إلى 16% فحسب، كما ارتفعت الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 40% إلى 70%، بالإضافة إلى أن عدد التعيينات المقصود بها استبدال العمال المستقيلين تراجع من 52 ألفاً إلى نحو ألفي عامل.

وتمكنت شركة تصنيع السيارات من تفادي مغادرة العمال للمصنع، وبالتالي قامت بتوفير الكثير من الأموال التي كانت تُدفع في عمليات التعيين والتدريب المستمرة بلا جدوى، ناهيك عن تعطل الإنتاج المتكرر جراء نقص العمالة.

وظهر أثر ذلك في قفزة أرباح “فورد” من 30 مليون دولار في عام 1914 إلى 60 مليون بعد عامين فقط، وليرتفع عدد السيارات المصنعة سنوياً من 170 ألفاً قبل زيادة الأجور إلى 202 ألف في عام القرار.

وأعلنت الشركة لاحقاً أن قرارها بدفع 5 دولارات وخفض ساعات العمل إلى 8 ساعات يومياً أثبت أنه أفضل قرار لخفض التكاليف قامت به على الإطلاق.

ومع زيادة الإنتاجية تمكن “فورد” من خفض سعر سيارة “موديل تي” من نحو 800 دولار إلى 350 دولاراً، ليثبت الرجل مركزه كأحد كبار الأثرياء وأعظم صانع للسيارات في العالم.

منفعة متبادلة

وبالإضافة إلى السعي لإرضاء العمال وإبقائهم في المصنع، كان “فورد” يمتلك هدفاً آخر من قرار الخمسة دولارات يومياً.

وقال الرجل في عام 1922: “بغض النظر عن جميع الاعتبارات الأخرى، تعتمد مبيعاتنا على الأجور التي ندفعها، إذا كانت أجورنا مرتفعة فإن هذا المال سيتم إنفاقه وسيزيد رفاهية العاملين في قطاعات أخرى وهو ما سينعكس بالتالي على مبيعاتنا نحن”.

وتابع: “الأجور المرتفعة على مستوى البلاد تعني ازدهاراً ورخاء واسع النطاق”.

وفي عام 1926 قرر “فورد” خفض عدد أيام العمل من 6 إلى 5 أيام أسبوعياً، ليبدأ عصر الـ40 ساعة عمل أسبوعياً بشكل فعلي، قبل أن يقرر الكونجرس الأمريكي تحويل الأمر إلى قانون فيدرالي.

وأتبع رجل الصناعة القرار بقوله: “لقد حان الوقت لتخليص أنفسنا من فكرة أن وجود وقت فراغ للعمال هو وقت ضائع أو امتياز طبقي”.

المصادر: ذا هنري فورد – إن بي أر – فوربس

كتاب: The Greatest Business Decisions of All Time

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق