أخبارأخبار العالم

قبل أن يتحمس الجميع أكثر من اللازم .. القصة الكاملة للقاح “فايزر” المضاد لفيروس كورونا

نقلا” عن ارقام أمس الإثنين تلقى العالم بمزيج من اللهفة والحماس إعلان شركة الأدوية الأمريكية “فايزر” وشريكتها، شركة التكنولوجيا الحيوية الألمانية “بيونتك” عن فاعلية  بنسبة 90% للقاح المضاد لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الذي يعملان على تطويره بحسب النتائج الأولية للمرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية.

على الفور انعكست تلك الأخبار بشكل إيجابي على أسواق الأسهم، حيث ارتفعت أخيرًا الروح المعنوية لجمهور المستثمرين الذي ظل طوال الأشهر الماضية يبحث بيأس عن أي بصيص أمل، بعد أن طال أمد الجائحة دون أي دليل على إمكانية تجاوزها في المستقبل القريب.

ولكن في وسط الفرحة العارمة المسيطرة على كثير من المستثمرين والعامة على حد سواء، هناك تفاصيل كثيرة حول فاعلية اللقاح المعلن عنها بالأمس لا ينتبه إليها كثيرون سنلقي الضوء على بعضها بشكل سريع في السطور القادمة.

كيف بدأ كل شيء؟

في أواخر يناير الماضي قرأ “أوجر شاهين” الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة “بيونتك” الألمانية عن فيروس كورونا المستجد لأول مرة في مجلة “ذا لانسيت” الطبية. وفي نفس اليوم تم اكتشاف أول حالة إصابة في أوروبا بالفيروس، ليقرر “شاهين” على الفور بدأ العمل على اللقاح في مقر شركته بمدينة ماينز الألمانية.

جمع “شاهين” فريقًا ضم 40 باحثًا للعمل على اللقاح، ألغى العديد منهم إجازاته، بينما قررت الشركة منح الجميع أجرًا نظير عملهم الإضافي في المشروع الذي أطلقوا عليه اسم “لايت سبيد”. واستخدمت “بيونتك” تقنية لم تتم الموافقة على استخدامها على البشر يتم خلالها حقن حمض نووي ريبي مِرسال (messenger RNA) في خلايا العضلات بغرض تنشيط جهاز المناعة ضد الفيروس.

حددت “بيونتك” 20 لقاحًا محتملًا للوقاية من فيروس كورونا، وبدأت في اختبارهم جميعًا على القوارض. ولكن الشركة الألمانية التي كانت تفتقر إلى الخبرة والموارد اللازمة لإجراء تجربة سريرية كبرى بسرعة، وجدت نفسها مضطرة للتعاون مع شركة أدوية كبرى. وفي منتصف مارس وقع الاختيار على “فايزر”، حيث وافقت الشركة الأمريكية على العرض في غضون يوم واحد من تواصل “شاهين” معها.

بمجرد أن بدأت التجارب على البشر، قررت “بيونتك” استبعاد جميع  اللقاحات باستثناء لقاحين أظهرا استجابة مناعية قوية مضادة للفيروس. ولكن الشركة قررت في النهاية الاستغناء عن أحدهما والمضي قدمًا مع اللقاح الذي كانت له آثار جانبية أقل، وبدأت في يوليو تجربة سريرية شملت أكثر من 30 ألف متطوع في الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وألمانيا، ارتفع عددهم إلى 44 ألفًا في سبتمبر.

بعد تلقي اللقاح .. 94 مصابًا بالفيروس

في إطار التجربة السريرية حصل نصف المتطوعين على اللقاح، بينما حصل النصف الآخر على دواء وهمي عبارة عن ماء مالح. وبعدها انتظرت الشركتان حتى يمرض المتطوعون لتحديد ما إذا كان اللقاح يوفر أي مناعة ضد الفيروس.

ووفقًا لما أعلنته الشركتان أصيب حتى الآن 94 متطوعًا من الـ44 ألفًا بفيروس كورونا، غير أن الشركة لم توضح ما إذا كان هؤلاء من أولئك الذين حصلوا على اللقاح، أم من الذين حصلوا على الدواء الوهمي. اكتفت الشركتان فقط بالإشارة إلى أن اللقاح كان فعالًا بنسبة تزيد على 90%.

كما هو معتاد في ذلك النوع من التجارب السريرية كانت البيانات غامضة، فلا أحد باستثناء مجلس الخبراء المستقل الذي أشرف على نتائج التجارب يعرف النسبة التي يشكلها المتطوعون من الـ94 مصابًا. لا المتطوعون ولا الأطباء ولا حتى كبار المديرين التنفيذيين في الشركتين لديهم أي فكرة حول هذا الأمر. ولكن بما أن التقديرات تشير إلى فاعلية تزيد على 90% فيمكننا الافتراض أن عددا قليلًا جدًا من الذين تم تطعيمهم أصيبوا بالفيروس.

المثير للاهتمام هنا هو أن 90% تعد نسبة فاعلية عالية جدًا بالمقارنة مع توقعات الخبراء والأطباء لفاعلية أي لقاح منتظر للفيروس التاجي، حيث كانت تدور أغلب التوقعات حول فاعلية تتراوح ما بين 50 و60%. حتى إدارة الدواء والغذاء في الولايات المتحدة نفسها كانت قد اشترطت فاعلية لا تقل عن 50% من أجل منح أي تصريح طارئ للقاح مضاد لفيروس كورونا.

هذه النسبة إذا كانت دقيقة تصبح أكثر إثارة للإعجاب حين نقارنها مع نسب الفاعلية الخاصة بكثير من اللقاحات المرخصة في السوق. على سبيل المثال، تتراوح فاعلية لقاحات الإنفلونزا بين 40 و60% في أحسن الأحوال، بينما تصل فاعلية اللقاح المضاد للحصبة إلى 97% بمجرد الحصول على جرعتين منه.

ولكن في حين أن النتائج الأولية للتجارب السريرية تقدم بعض الأدلة على فاعلية اللقاح إلا أنها لا يمكنها أن تخبرنا على وجه الدقة بمدى فاعليته، لأن التجارب السريرية ببساطة لم يتم إعدادها للقيام بذلك. لا يمكن تحديد فاعلية اللقاح بدقة إلا بعد أن يحصل عليه ملايين الأشخاص.

النتائج لا تخبرنا أيضًا ما إذا كان اللقاح سيوفر حماية قوية لكبار السن بصفتهم الأكثر عرضة للتأثر به. وفقًا للمعلن، تشمل التجارب السريرية التي أجرتها الشركتان أشخاصًا تزيد أعمارهم على 65 عامًا، وهو ما يعني أن نتائج استجابة هؤلاء للقاح ستكون متاحة في النهاية بين أيدي إدارة الغذاء والدواء التي ستطلع على أدق التفاصيل الخاصة باللقاح.

الآثار الجانبية .. ومتى سيصبح اللقاح متاحًا؟

حتى الآن لم تعلن شركة “فايزر” عن أي مخاوف جدية تتعلق بسلامة لقاحها أو آثاره الجانبية المتوقعة. ولكن قبل أن تجري الشركة التجارب السريرية الموسعة، كانت قد أجرت تجارب سريرية على نطاق أصغر في مايو تم تصميمها خصيصًا لاكتشاف أي مشاكل تتعلق بسلامة اللقاح. وبعد أن تمت تجربة أكثر من اللقاح اختارت النسخة التي تنتج أقل قدر من الآثار الجانبية الخفيفة والمتوسطة مثل الحمى والإرهاق.

إذا حصل اللقاح على تصريح طارئ من إدارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة، سيتم توزيعه على الملايين من الأشخاص، وبالتوازي ستحرص كل من إدارة الغذاء والدواء وكذلك “مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها” على مراقبة أداء اللقاح للتأكد من عدم وجود أي مشكلات تتعلق بسلامته.

من جانبه قال الرئيس التنفيذي لشركة “فايزر” إن الشركة قد تستطيع إنتاج ما يصل إلى 50 مليون جرعة قبل نهاية العام الجاري، وهو ما يكفي لتطعيم 25 مليون شخص ضد الفيروس، حيث إن الشخص الواحد من المقرر أن يحصل على جرعتين يفصل بينهما ثلاثة أسابيع أو 21 يومًا. ويتم قياس فاعلية اللقاح بعد أسبوع من الجرعة الثانية أو 28 يومًا من الجرعة الأولى.

هذا معناه أن العالم بحاجة إلى 14 مليار جرعة من اللقاح المنتظر، ولكن الشركتين الأمريكية والألمانية أشارتا إلى أنه بوسعهما إنتاج 1.3 مليار جرعة فقط خلال العام القادم مما يترك أغلب سكان العالم دون لقاح. ولكن هذا قد يتغير إذا ثبتت فاعلية اللقاح، حيث من المتوقع أن تشارك شركات الأدوية الكبرى في تصنيع اللقاح وفق اتفاق مع “فايزر” و”بيونتك”، مما يساعد على تلبية جزء كبير من الطلب.

حول موعد إتاحة اللقاح للجمهور، أشارت “فايزر” إلى أنها تستعد لتقديم طلب إلى إدارة الغذاء والدواء في الأسبوع الثالث من الشهر الجاري من أجل الحصول على تصريح طارئ لإنتاج اللقاح على نطاق واسع. بعدها ستحتاج إدارة الغذاء والدواء إلى أسابيع من أجل دراسة البيانات المقدمة من جانب الشركة حول فاعلية وسلامة اللقاح وقدرتها على إنتاج ملايين الجرعات بأمان بشكل مفصل.

أسئلة دون إجابة .. وتحديات لوجيستية

من ضمن المعلومات التي لا تزال غير واضحة حول اللقاح المعلن عنه، هي مدة استمرار المناعة المكتسبة التي يوفرها ضد الفيروس. هل هي 6 أشهر أم سنة أم أقل أم أكثر من ذلك؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة. السؤال الآخر المهم الذي لا يزال دون إجابة هو هل الأشخاص الذين سيتم تطعيمهم باللقاح سيظلون قادرين على حمل الفيروس، مما يمكنهم من نقل العدوى لغيرهم وإن كانوا محصنين ضدها؟

بمجرد أن يحصل اللقاح على تصريح من إدارة الغذاء والدواء ستبدأ “فايزر” في إنتاجه. ولكن حينها سيظهر تحد جديد غاية في الصعوبة وهو تحدي الشحن. سيتعين على “فايزر” إيجاد طريقة لنقل مليارات من القوارير الزجاجية لمسافات ضخمة، مع الحفاظ على الجرعات في درجة حرارة منخفضة تقترب من 80 درجة مئوية تحت الصفر من لحظة تعبئتها إلى لحظة حقنها في أذرع المرضى.

مشكلة لقاح شركتي “فايزر” و”بيونتك” هو أنه مصنوع من مواد وراثية تتفكك عند ذوبان الجليد. ولذلك من الضروري أن يتم تجهيز الطائرات والشاحنات والمستودعات التي ستنقل اللقاح بمجمدات، ومن المتوقع أن يلعب الجيش الأمريكي دورًا كبيرًا في هذا الإطار في الولايات المتحدة. وفي نفس الوقت ستحتاج شركة “فايزر” إلى تصنيع قوارير زجاجية باستطاعتها تحمل الحرارة المنخفضة.

صممت “فايزر” بالفعل صناديق تبريد خاصة للقاح المنتظر. وتستطيع هذه الصناديق التي يبلغ حجمها حجم المبرد الكبير استيعاب بضع مئات من القوارير الزجاجية التي يحتوي كل منها على ما يتراوح ما بين 10 إلى 20 جرعة. وتم تجهيز هذه الصناديق بأجهزة استشعار حرارية وأنظمة “جي بي إس” مما يسمح لـ”فايزر” بمعرفة مكان الصناديق ومتابعة مدى برودتها.

أخيرًا، وبما أن الكل يبكي على ليلاه، ربما لا يوجد من هو أكثر حزنًا من الخبر الذي أعلنته “فايزر” بالأمس من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”. والأمر هنا يتعلق بالتوقيت، الذي يرى عضو مجلس الشيوخ الجمهوري “تيد كروز” أنه تآمري، مشيرًا إلى أنه لو تم الإعلان عن هذا اللقاح قبل يوم الانتخابات الرئاسية لكان باستطاعة “ترامب” تأمين ولاية ثانية رغم نفي الرئيس التنفيذي لـ”فايزر” وجود علاقة بين السياسة وتوقيت الإعلان. ولكن هل كان باستطاعة اللقاح إنقاذ “ترامب” فعلا؟

المصادر: أرقام – نيويورك تايمز – واشنطن بوست – بي بي سي – بلومبرج

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق