أخبارأخبار العالم

بأربع أذرع! .. “النملة” الصينية التي قد تصبح قريبًا أهم وأخطر شركة في العالم

نقلا” عن أرقام الرئيس الصيني هو من فعلها!.. قبل ساعات، وتحديدًا في مساء أمس الخميس، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أخيرًا عن السر وراء تعليق الجهات التنظيمية في الصين للاكتتاب العام الأولي لشركة التكنولوجيا المالية الصينية “آنت جروب” البالغة قيمته نحو 35 مليار دولار، والذي كان من المتوقع أن يصبح أكبر اكتتاب عام أولي في التاريخ متجاوزًا اكتتاب أرامكو نهاية العام الماضي.

بحسب ما أفادت به مصادر حكومية مطلعة للصحيفة الأمريكية، كان قرار تعليق الاكتتاب العام في اللحظات الأخيرة تنفيذاً لأمر شخصي من الرئيس الصيني “شي جين بينج” الذي ضاق ذرعًا بتصريحات الملياردير الصيني الشهير والمساهم الأبرز في الشركة “جاك ما”، والذي أطلق في الرابع والعشرين من الشهر الماضي سلسلة من التصريحات التي هاجم خلالها الجهات التنظيمية في البلاد وهو ما لم يعجب الرئيس.

 

مشاكل “آنت جروب” لم تنته عند هذا الحد. ففي الشهور الأخيرة حاولت وزارة الخارجية الأمريكية إقناع إدارة الرئيس “دونالد ترامب” بوضع الشركة الصينية على القائمة السوداء، بسبب شكوك لديها حول المخاطر المحتملة التي تشكلها على الأمن القومي الأمريكي، وذلك قبل أن يتم تعليق الخطوة في مطلع الشهر الجاري بقرار من وزير التجارة الأمريكي.

وفي الحقيقة إن ما يحدث في الأيام الأخيرة مع “آنت جروب” يثير عدة أسئلة ربما أهمها: ما هي “آنت جروب” أصلًا؟ وما سر هذا الاهتمام الكبير بها من قبل رئيسي أكبر اقتصادين في العالم؟ لماذا يؤمن السوق بمستقبل هذه الشركة لدرجة جعلت المستثمرين الأفراد فقط يتقدمون بطلبات تخصيص أسهم تتجاوز قيمتها ثلاثة تريليونات دولار في الاكتتاب العام المعلق؟

في السطور التالية سنلقي معًا نظرة سريعة على قصة شركة الفنتك أو التكنولوجيا المالية الصينية التي يرجح الكثير من المحللين والخبراء أنها في طريقها لتصبح أهم شركة في العالم.

لا شيء يشبه هذه الشركة!

في عام 2004 أسس الملياردير الصيني “جاك ما” بوابة خدمات الدفع “علي باي” كي تخدم مستخدمي موقع التجارة الإلكترونية الصيني الشهير “علي بابا” والذين كانوا يحتاجون إلى وسيلة دفع آمنة. وفي غضون 9 سنوات وتحديدًا في عام 2013 نمت “علي باي” لتصبح أكبر بوابة لخدمات الدفع الإلكتروني في العالم بعد أن تمكنت من تجاوز “باي بال” الأمريكية.

 

 

وفي عام 2010 قرر “ما” إعادة هيكلة “علي باي” لتصبح ملكيتها منفصلة عن “علي بابا”، وذلك قبل أن يقوم في العام 2015 بوضع بوابة الدفع تحت مظلة شركة أم سماها “آنت فينانشيال”  (النملة المالية). ثم عاد “ما” في يونيو من العام الجاري وقرر تغيير اسم الشركة الأم إلى “آنت جروب”.

وبعد أن كانت تضم “علي باي” فقط، أصبحت “آنت جروب” اليوم، منصة التكنولوجيا المالية الأكثر تكاملًا في العالم. لا شيء يشبهها! يمكنك التفكير في هذه الشركة على أنها مزيج خدمات “آبل باي” للدفع دون الاتصال بالإنترنت، “باي بال” للدفع عبر الإنترنت، و”فينمو” لتحويل الأموال، و”ماستر كارد” لبطاقات الائتمان، و”جيه بي مورجان” لتمويل المستهلك و”آي شيرز” للاستثمار. كل ما سبق تتيحه “آنت جروب” لمستخدميها في تطبيق واحد على الجوال!

الأذرع الأربع .. فن تحويل البيانات إلى أموال

بشكل أساسي، يوجد لدى “آنت جروب” أربع أذرع رئيسية هي المسؤولة عن إيراداتها. القسم الأول والأشهر هو قسم المدفوعات، وتتم عبر خدمة “علي باي”. استفادت خدمة “علي باي” من التنامي المتسارع للمعاملات الرقمية في الصين والتي وصلت قيمتها إلى 201 تريليون يوان في عام 2019، ارتفاعًا من تريليون يوان فقط في عام 2010.

تأخذ “علي باي” رسوما لا تتجاوز 0.1% من كل معاملة مالية تتم عبرها، وهي نسبة أقل بكثير من النسبة التي تحصلها البنوك الصينية على المعاملات التي تتم عبر بطاقات الائتمان. ورغم ضآلة الرسوم المفروضة إلا أن الحجم الكبير للمعاملات التي يجريها نحو 1.3 مليار من مستخدمي “علي باي” حول العالم حقق للشركة إيرادات تقترب من 52 مليار يوان خلال العام الماضي.

 

أكثر ما يميز “آنت جروب” عن غيرها من الشركات المالية، هو ذكاؤها وحرصها على استغلال كل حرف في البيانات التي تملكها. ففي نفس الوقت الذي يستخدم فيه مئات الملايين حول العالم لخدمة “علي باي” في الدفع الإلكتروني، تتيح هذه المعاملات للشركة كماً هائلًا من البيانات والمعلومات حول الوضع المالي للمستخدمين.

أكبر مستفيد من هذه البيانات هي الذراع الثانية لـ”آنت جروب” أو خدمة “هو باي” (Hua bei) للإقراض الاستهلاكي التي أطلقت في عام 2014 لتكون بمثابة بطاقة ائتمان افتراضية. يمكن لمستخدمي “علي باي” الاستفادة من خدمة “هو باي” في تأجيل مدفوعاتهم لمدة شهر أو تقسيمها على أقساط.

احصل على قرض ببضع نقرات على الجوال

مستفيدة من البيانات التي أنتجتها المعاملات التي تتم عبر خدمة “هو باي”، أطلقت “آنت جروب” خدمة جديدة تسمى “جي باي” (Jie bei) تتيح للمستخدمين إمكانية اقتراض مبالغ أكبر. وفي الوقت نفسه وفرت الشركة خدمات القروض لأصحاب المشاريع الصغيرة بفائدة تتراوح ما بين 7 و14% سنويًا، وهي النسب التي تقل كثيرًا عن النسب السائدة في السوق المصرفي الصيني.

في غضون نصف عقد تقريبًا من إطلاق خدمات الإقراض، أقرضت “آنت جروب” المستخدمين ما يزيد على 1.7 تريليون يوان، وهو ما يشكل نحو 15% من سوق الإقراض الاستهلاكي في الصين. وفي الوقت نفسه بلغ إجمالي القروض التي منحتها للمشروعات الصغيرة حوالي 400 مليار يوان.

في البداية كانت “آنت جروب” تقدم القروض للمستخدمين ثم تقوم بتوريقها وبيعها إلى مؤسسات مالية أخرى، ولكن الجهات التنظيمية في الصين وبسبب خوفها من حدوث طفرة في التوريق مشابهة لتلك التي حدثت قبل أزمة 2008 طلبت من “آنت جروب” وغيرها من منشئي الأوراق المالية أن يحتفظوا بحد أدنى من رأس المال مثلهم مثل أي بنك، وهو ما حد من هامش ربح الشركة الصينية. لكن لم تستسلم “آنت جروب” وابتكرت نهجًا جديدًا.

 

 

ببساطة كل ما تقوم به الشركة الصينية الآن في مجال القروض هي أنها تلعب دور الوسيط بين المستخدم والبنك، حيث يتقدم المستخدم الراغب في الحصول على قرض بطلب إليها عبر التطبيق، ومن ثم يقوم التطبيق بتقييم الجدارة المالية للمتقدم من واقع ما لديه من بيانات ومعلومات حول معاملاته المالية ومصادر دخله، قبل أن يقوم بتمرير الطلب إلى أحد البنوك إذا كان المتقدم لديه الجدارة اللازمة، وفي المقابل تحصل “آنت جروب” من البنك على عمولة تسميها رسوم خدمة تكنولوجية.

بهذه الطريقة، أصبحت أعمال الاقتراض لدى “آنت جروب” غنية بالنقد وفي نفس الوقت لا تتحمل عبء الكثير من الأصول. والمستخدم على الناحية الأخرى أكثر من سعيد بذلك لأنه بفضل تطبيق “آنت جروب” أصبح بإمكانه التقدم للحصول على قرض من خلال بضع نقرات على الجوال، وهو ما يكفيه شر الوقوع في براثن التعقيدات البيروقراطية التي يتسم بها عمل الكثير من البنوك التقليدية في الصين.

أصبح الائتمان اليوم هو أكبر قطاع داخل الشركة، حيث مثل في النصف الأول من العام الجاري حوالي 39% من إيرادات الشركة.

استثمر ولو يوانا واحدا

نأتي الآن للذراع الثالثة لـ”آنت جروب” وهي خدمة إدارة الأصول “يويباو” (Yu’ebao). أطلقت الشركة الصينية خدمة “يويباو” بعد أن لاحظت أن الكثير من مستخدمي “علي باي” سواء من التجار أو المتسوقين يحتفظون بجزء من أموالهم في محفظة “علي باي”. وبغرض الاستفادة من هذه الأموال الموقوفة دون جدوى، اقترحت “آنت جروب” على المستخدمين أن يضعوا أي مبلغ يمتلكونه على “علي باي” مهما كان ضئيلًا في خدمة “يو باي” والتي تتيح لهم استثمار هذه الأموال والحصول على عائد.

مع عائد يقترب اليوم من 1.7% (يتجاوز العائد على الحسابات الجارية في البنوك) أصبح “يو باي” في عام 2017 أكبر صندوق لاستثمار الأموال في العالم من حيث الحجم. توفر “آنت جروب” الآن لمستخدمي تطبيقها على الهاتف الجوال أكثر من 6 آلاف منتج استثماري تبيعها 170 شركة استثمارية.

 

 

تبلغ حاليًا قيمة الأصول الخاضعة للإدارة عبر هذا التطبيق ما يقرب من 4.1 تريليون يوان (619 مليار دولار). وتتسابق الآن الشركات الاستثمارية حول العالم على تقديم منتجاتها لمستخدمي خدمة “يو يباي” على التطبيق الخاص بـ”آنت”.

رابع أذرع الشركة الصينية هو ذراعها الخاص بمجال التأمين والذي اقتحمته مؤخرًا. في العامين الماضيين عقدت “آنت جروب” اتفاقات مع شركات التأمين الكبرى، تقوم بموجبها بتسويق عقود للتأمين على الحياة والسيارات والصحة لصالح تلك الشركات مقابل رسوم معينة. يشكل هذا القسم مع قسم إدارة الأصول ما يقرب من ربع إيرادات الشركة.

 

 

بتطبيق على الهاتف الجوال ومجموعة من البيانات وقليل من الابتكار، تقتحم “آنت جروب” الصينية كل ركن من أركان صناعة الخدمات المالية العالمية، وتستحوذ على حصص سوقية ضخمة في لمح البصر. وعلى حد تعبير “الإيكونوميست” يبدو أنه لا يوجد ما يمكنه إيقاف هذه الشركة.

أخيرًا، إن “آنت جروب” ربما هي أذكى شركة في العالم في استخدام البيانات. وبينما لا يعرفها كثيرون اليوم، غدًا ستكون هذه “النملة” ملء السمع والبصر. وإن غدًا لناظره لقريب.

المصادر: أرقام – وول ستريت جورنال – نيويورك تايمز – الإيكونوميست – رويترز

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق