الاقتصاد الاسلاميمقالات

صناديق الاستثمار الوقفية بالمملكة العربية السعودية

خاص ل (EBKingdom).. د. أحمد حسن النجار  …..  كان للمملكة العربية السعودية السبق في كونها أول دولة في منطقة الخليج العربي تقوم بإصدار صناديق استثمار وقفية في نوفمبر 2018. إلا أنه وبعد عامين كاملين منذ أول إصدار لم تصل حجم الأصول المدارة بالصناديق الوقفية المصدرة إلى الحجم الذي يتناسب مع دولة كبيرة وغنية مثل المملكة العربية السعودية. يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن هذه الأسئلة: (1) ما هي طبيعة الصناديق الوقفية التي تم إصدارها خلال الفترة السابقة وحجم الأصول المدارة؟، (2) ما هي أسباب ضآلة حجم الأصول المدارة بهذه الصناديق بعد عامين كاملين من الاصدارات؟

تهدف الصناديق الوقفية إلى تعزيز الدور التنموي للأوقاف من خلال تنمية الأصول الموقوفة للصندوق واستثمارها بهدف تحقيق نمو في رأس المال الموقوف، وتوزيع نسبة من العوائد (غلة الوقف) بشكل سنوي ومستمر على مصارف الوقف المحددة للصندوق وتلتزم الجهة المستفيدة بصرف غلة الوقف على الخدمات المنصوص عليها بنشرة الاكتتاب.

فبعد إجازة وقف النقود عام 2004م من قبل مجمع الفقه الإسلامي، فقد أصبح هذا النوع من الوقف من الحلول المبتكرة لإنشاء وتنمية الأوقاف، وتلبية حاجيات المستحقين في مجالات الصحة والتعليم والحد من الفقر وتمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة. كما يتميز وقف النقود بالسيولة والمشاركة الجماعية للوقفين والمرونة في تجميع واستثمار الموارد النقدية.

كانت أول الدول التي تقوم بإصدار صناديق استثمار وقفية في منطقة الخليج العربي هي المملكة العربية السعودية وتحديدا في شهر يونية من عام 2018.

فبعد تأسيس الهيئة العامة للأوقاف في المملكة بنهاية عام 2015، وبحكم أن أحد مهامها هو تطوير الصيغ الوقفية القائمة، وإيجاد صيغ وقفية جديدة، إضافة إلى اقتراح الأنظمة المتعلقة بنشاط الأوقاف. فقد قامت الهيئة في يونية 2018 بإصدار نظام تعليمات الترخيص للصناديق الاستثمارية الوقفية سعيا منها لتحقيق الاستدامة المالية للكيانات الوقفية وغير الربحية وتعزيز مساهمة قطاع الأوقاف في تلبية الاحتياجات التنموية.

وبالفعل، وبناء على ذلك، أعلن مصرف الإنماء (مصرف إسلامي) في عام 2019 عن إطلاقه لأربع صناديق وقفية بالمملكة، وجميعها صناديق استثمار عامة ومفتوحة، وذلك بهدف استثمار أصول الصندوق بهدف تحقيق نمو في رأس المال الموقوف، بحيث يتم توزيع نسبة من العوائد بشكل سنوي ومستمر على مصارف الوقف المحددة للصندوق. تلا ذلك إعلان شركة الخبير المالية في مايو 2019 عن إطلاق صندوقها “صندوق الخبير الوقفي”. ثم في نهاية العام أعلن بنك البلاد عن إطلاق صندوق إنسان الاستثماري الخيري الوقفي في شهر أكتوبر 2019. ليغلق العام على ست صناديق وقفية. أما على مستوى العام الجاري 2020 والذي شهد في بدايته جائحة كورونا، وما ترتب عليها من آثار اقتصادية واجتماعية شديدة وخاصة على الفئات الأشد احتياجا، تم الإعلان عن تأسيس صندوق وقفي وحيد حتى كتابة هذه السطور، وهو الصندوق الوقفي الخامس لمصرف الإنماء والمسمى بـ “صندوق بر الرياض الوقفي” والمؤسس في يوليو من العام الجاري 2020م.

من واقع التقارير الربع سنوية المنشورة عن أداء الصناديق تراوح توزيع فئات الأصول التي يستثمر فيها الصندوق بين الصناديق العقارية المتداولة، الصكوك، عقود المرابحة، صناديق الاستثمار العادية، مع الاحتفاظ بحد قليل من النقدية، حيث لا يحتاج الصندوق إلى الاحتفاظ بنقدية كبيرة نظرا لعدم وجود سياسة الاسترداد لوحدات الصندوق.

تشهد حجم الأصول المدارة بهذه الصناديق الأربعة زيادة يوما بعد يوم، إلا إنها – وبعد عامين كاملين من أول إصدار – لم تصل بعد للمستوى المتوقع والمطلوب في بلد كالمملكة العربية السعودية والتي تتمتع بمستويات دخول مرتفعة، كما تنتشر فيه أعمال البر والأوقاف بشكل كبير (تصل اجمالي الأصول المدارة حوالي 150 مليون ريال – 40 مليون دولار فقط).

فمن وجهة نظري، يعود أسباب انخفاض حجم الأصول المدارة بهذه الصناديق لعدة أسباب، من بينها:  (1) عدم الوعي الكافي بجواز وقف النقود من قبل بعض الجهات والأفراد أو العلم بمزاياه. (2) عدم تخصيص موارد كافية من قبل الجهات المُصدرة للترويج للصندوق بين الأفراد والشركات. فالاشتراك الأولي في الصندوق هو 1000 ريال بحد أدنى وأي اشتراك إضافي هو فقط بـ 100 ريال، وهي قيمة تعتبر صغيرة وفى متناول كثير من الأفراد المواطنين والمقيمين وكذلك هي قيمة زهيدة بالنسبة للشركات والمؤسسات العاملة بالمملكة.

إضافة لسبب آخر، وهو قلة عدد الصناديق المصدرة، فمنذ أول اصدار للصناديق الوقفية بالمملكة في نوفمبر 2018م، لم يتم اصدار إلا 6 صناديق وقفية، وجزء من ذلك يعود إلى عدم أهلية كثير من الجمعيات الخيرية العاملة بالمملكة، حيث تقدم للجهات المصدرة لهذه النوعية من الصناديق خلال هذه الفترة ما يزيد عن 50 جمعية خيرية لتأسيس صناديق وقفية، انطبقت الشروط على 6 منها فقط، والبقية لم تنطبق عليها الشروط من حيث قواعد الحوكمة، ووجود دليل سياسات وإجراءات مالية وإدارية واضح ومطبق، وغيرها من الشروط التي تضمن جدارة الجمعية بتأسيس صندوق وقفى والاستفادة من عوائده.

وهو ما يستدعي من هيئة الأوقاف السعودية وغيرها من المؤسسات الوقفية الكبيرة بذل مزيد من الاعتناء بإعادة تأهيل هذه الجمعيات للتوافق مع المعايير والشروط.

السبب الأخير، أنه حتى كتابة هذه السطور، لم تقم أيا من البنوك الأخرى العاملة بالمملكة – باستثناء مصرف الإنماء والبلاد – بأخذ زمام المبادرة وطرح صناديق وقفية جديدة، وهو ما يستدعي من الجهات الراعية – خاصة الهيئة العامة للأوقاف – وبالتنسيق مع مؤسسة النقد تشجيع هذه البنوك نحو مزيد من إصدارات الصناديق الوقفية دعما للدور المأمول للوقف في عملية التنمية الاقتصادية بالمملكة.

د. أحمد حسن النجار 
خبير مالي واقتصادي – مستشار وزير المالية المصري سابقا

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق