سوق رأس المالمقالات

قبل 113 عاماً .. كيف قام رجل واحد بدور البنك المركزي وأنقذ الاقتصاد الأمريكي؟

نقلا” عن أرقام تلقى “جون بيربونت مورجان” المصرفي الأمريكي والمستثمر الكبير في عام 1907 سيلاً من البرقيات التي تحمل أخباراً خطيرة تحذره من أزمة كبيرة في طور التشكيل.

لكن الرجل الذي يسيطر على ممتلكات واسعة في عدة قطاعات أهمها بنك “جيه بي مورجان أند كومباني” كان على موعد مع إنقاذ النظام المالي وإعادة تشكيله كلياً في غضون ثلاثة أسابيع فحسب.

 

من مستصغر الشرر

استهدف الرئيس الأمريكي آنذاك “ثيودور روزفلت” كسر الاحتكارات المتعمقة في قلب الاقتصاد، معلناً العديد من القواعد التنظيمية الجديدة التي تسعى للسيطرة على الصعود الكبير لامتيازات الشركات الكبرى.

واستجابة لطلب “روزفلت” أجرت الحكومة تحقيقاً حول ممارسات تجارية خاصة بعملاق النفط “ستاندرد أويل” ما أسفر عن غرامة ضخمة بقيمة 29 مليون دولار على خلفية خصومات كبيرة من شركات السكك الحديدية.

وتعرضت أسهم السكك الحديدية لهبوط ملحوظ بعد القرار، قبل ظهور إشارات على حدوث أزمة ائتمانية ونقص للسيولة تسببت في تسارع لحالات إفلاس في التسعة أشهر الأولى من عام 1907.

لكن الشرارة الحقيقية للأزمة حدثت في أكتوبر بعد فشل محاولة المستثمر “آب هاينز” شراء شركة النحاس المتحدة، والتي تحول سهمها من الصعود عند 60 دولاراً بعد أنباء محاولة الاستحواذ لهبوط إلى 15 دولاراً في غضون يومين، ما تسبب في هبوط للسوق الأوسع وإغلاق بنك “ميركانتايل ناشيونال” الذي كان يمتلكه “هاينز” أبوابه بالإضافة إلى شركتي وساطة لإدارة حسابات “هاينز”.

امتدت الأزمة لمؤسسات مالية أخرى خاصة بتعاملات الأفراد وبنوك استثمار والتي كانت تختلف عن المصارف التجارية في أنها غير مطالبة بالاحتفاظ باحتياطي يعادل 25% من الودائع.

لكن المشكلة الأبرز تمثلت في أن هذه المؤسسات المالية كانت تدفع معدلات فائدة مرتفعة لجذب الودائع، كما أنها أقرضت نقوداً بضمان أوراق مالية مودعة لديها، ومع هبوط أسعار الأسهم كانت قيمة هذه الضمانات تتراجع بقوة أيضاً.

لم تمتلك الولايات المتحدة آنذاك مصرفاً مركزياً يحمي الأسواق ويوفر السيولة المطلوبة للمتعاملين في النظام المالي، وبالتالي كانت البلاد تفتقد وجود مؤسسة قادرة على القيام بدور “الملاذ الأخير” إذا ما تعرضت عدة مؤسسات للانهيار في آن واحد.

 

ومع مخاوف نقص السيولة وإفلاس بنك “ميركانتايل ناشيونال” وشركتي الوساطة، تزايد قلق المودعين حيال سلامة أموالهم في المؤسسات المالية الأخرى.

وسرعان ما سقط بنك “نيكربوكر” في التاسع عشر من شهر أكتوبر؛ نتيجة تدافع المودعين لسحب نحو 8 ملايين دولار من ودائعهم، وبدا أن موجة الذعر المصرفي ستتواصل لتسقط الجميع تحت أقدامها.

وهنا قرر “جون بيربونت مورجان” أن وقت التدخل الحاسم قد حان أخيراً.

تأثير الدومنيو

تزامن هبوط سوق الأسهم مع سقوط العديد من المصارف وشركات الوساطة وتدافع المودعين لسحب أموالهم من البنوك لتشكل جميعاً أزمة تحمل عنوان واحد: “فقدان الثقة”.

دعا “مورجان” رؤساء البنوك الكبرى إلى قصره للاتفاق على طريقة لدعم النظام المالي للولايات المتحدة ومنعه من الانهيار التام عن طريق تقديم الأموال من البنوك القوية إلى المؤسسات الأضعف لمنعها من السقوط لحين تعافي سوق الأسهم وثقة المودعين والمستثمرين في النظام.

رأى “مورجان” أن بداية الإنقاذ يجب أن تكون من “ترست كومباني أوف أمريكا” والذي شهد تدافعاً من جانب المودعين لسحب أموالهم خاصة مع حقيقة امتلاك البنك كمية كبيرة من أسهم “نيكربوكر” الذي تعرض للإفلاس.

 

قدم “مورجان” أموال مصرفه بالإضافة إلى إقناع مجموعة من البنوك بإنشاء صندوق برأسمال 10 ملايين دولار لدعم “ترست كومباني” والذي تمكن من سداد التزاماته رغم استنزاف حاد للسيولة تجاوز 47 مليون دولار.

استفاقت الحكومة الأمريكية أخيراً ليصل وزير الخزانة “جورج كورتيليو” إلى نيويورك قبل أن يلتقي “مورجان” ويتفقان على تقديم الدولة 25 مليون دولار إلى بعض المصارف المحددة لدعم المؤسسات المالية.

لكن الذعر المصرفي لم يتوقف بعد هذه النوايا الحسنة، بل امتد الأمر ليشمل مصارف أخرى اضطرت لإغلاق أبوابها مع عجزها عن سداد أموال كل المودعين الواقفين على أبوابها، قبل أن يتطور الأمر لمطالبة المقترضين بسداد القروض والامتناع عن تقديم أي ائتمان جديد.

الموقف لم ينته عند هذا الحد، لكنه امتد إلى بورصة نيويورك ذاتها والتي كانت  تقدم قروضاً للوسطاء والتجار بشكل يومي لتسيير أعمالهم التجارية بفائدة تبلغ في الظروف العادية نحو 6% آنذاك.

لكن مع شح الائتمان والسيولة لم يتمكن المقترضون من الحصول على أموال، ما دفع رئيس بورصة نيويورك “رانسوم توماس” للجوء إلى “مورجان” وإبلاغه بعدم امتلاكه أموالاً كافية لإبقاء البورصة مفتوحة حتى الموعد الاعتيادي في الثالثة من مساء اليوم.

أدرك المصرفي الكبير أن إغلاق البورصة قبل موعدها ولو بدقيقة واحدة قد يعمق موجة الذعر بشكل لا يمكن وصفه، ليقرر استدعاء رؤساء المصارف الرئيسية في المدينة مطالبهم بجمع 25 مليون دولار في غضون 10 دقائق على الأكثر.

تمكن “مورجان” ورؤساء البنوك من جمع الأموال المطلوبة وطرحها للإقراض للتجار بمعدل فائدة 10%، ما منع انهيار البورصة في ذلك اليوم.

مع إدراك الجميع أن “مورجان” يحمل لواء إنقاذ الوضع، بدأت الصحافة في رصد كل تحركات وكلمات الرجل، وهو ما حاول استغلاله عبر رسائل حاول بها تهدئة الناس بقوله: “إذا احتفظ المواطنين بنقودهم في المصارف فإن كل شيء سيكون على ما يرام”.

واتسع نطاق جهود “مورجان” ليشمل إنقاذ مدينة نيويورك نفسها من الإفلاس بعد لجوء عمدة المدينة “جورج ماكليلان” إليه مع الحاجة لسداد رواتب المعلمين والموظفين والوفاء بالتزامات عامة أخرى وعدم وجود سيولة أو إمكانية لبيع سندات مثلما كان الحال عادة.

كالعادة، تدخل الرجل مجدداً من خلال جمع 30 مليون دولار لشراء سندات تصدرها المدينة بفائدة 6%، وهو ما مكّن المدينة من تلبية احتياجاتها المالية الملحة وتفادي التعثر عن سدادها.

اجتمع “مورجان” برؤساء المؤسسات المالية القوية وطالبهم بإنشاء صندوق لمساعدة المصارف المتعثرة، ونجح بالفعل في الحصول على 25 مليون دولار لدعم الشركات الأضعف.

إنقاذ الوضع وتغيرات تاريخية

بدأت الأزمة في الانحسار تدريجياً في الرابع من نوفمبر بعد تسجيل سوق الأسهم أول ارتفاعاته اليومية وموافقة الحكومة الفيدرالية على إصدر دين جديد بموجب سندات تحمل معدل فائدة مخفضة مع إيداع المبالغ المحصلة في المصارف.

بدأ النشاط يدب في أوساط المؤسسات المصرفية، خاصة مع وصول الذهب الذي تم طلبه من أوروبا في ذروة الأزمة والبالغ قيمته نحو 17 مليون دولار.

علقت صحيفة “وول ستريت جورنال” على الأزمة بقولها: “لم يكن هناك أمر أكثر أهمية وإثارة من الاجتماع الذي انعقد في مكتب مورجان بحضور أبرز رجال المال في وول ستريت، لقد منع الرجل وقوع كارثة”.

 

 

أدرك السياسيون والمصرفيون أن الحكومة بحاجة إلى تأثير أكبر للحفاظ على تماسك النظام المالي، لأنه لن يكون هناك “بيربونت مورجان” دائماً لينقذ الموقف.

وفي عام 1908 أصدر الكونجرس الأمريكي قانون العملات والذي يسمح للبنوك بإصدار أوراق مالية مضمونة بسندات غير فيدرالية للتعامل مع حالات نقص السيولة مستقبلاً.

لكن النتيجة الأبرز للأزمة تمثلت في تأسيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر من عام 1913، أي بعد ست سنوات تقريباً من الذعر المصرفي، ليقوم بضمان توافر الأموال للمصارف ومراقبة المعروض النقدي، أي القيام بالدور الذي قام به “مورجان” وحده في الأزمة.

لكن “مورجان” لم يتمكن من رؤية نتيجة جهوده، حيث جاء تأسيس نظام الاحتياطي الفيدرالي بعد فترة قصيرة من وفاته في مارس 1913، لكن اسمه وجهوده ظلا باقيين في تاريخ وحاضر النظام المالي الأمريكي.

المصادر: أرقام – جيه بي مورجان – الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس – تاريخ الاحتياطي الفيدرالي

كتاب: Forbes greatest business stories of all time

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق