أخبار العالم

التضخم يتسارع في أمريكا.. فما مدى خطورته؟

تجلَّى الجدل الاقتصادي الذي احتدم لبضعة أسابيع في الأسواق والعالم الأكاديمي بشكلٍ ملحوظٍ في الكونغرس الأسبوع الماضي عندما استجوب المشرِّعون رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، ووزيرة الخزانة، جانيت يلين، بشأن التضخم. وهذا أمر مفهوم، نظراً لأنَّ الإجابات حول حجم ونطاق ومدَّة الارتفاع المحتمل في التضخم لها آثار تتجاوز الرفاه الاقتصادي، وحدود الدولة.

تباين الآراء

وينقسم الاقتصاديون في الغالب إلى ثلاثة معسكرات عندما يتعلَّق الأمر بالتضخم المرتفع، الذي لم يظهر على شاشة الرادار بأيِّ شكل ذي معنى خلال أكثر من عقد من الزمن.

ويرى المعسكر الأول، الذي يبدو أنَّه يضمُّ “باول”، و”يلين”، أنَّ أيَّ ارتفاع في التضخم هو مؤقت في المقام الأول مع القليل من التداعيات غير المباشرة، إن وجدت. في حين يرى المعسكر الثاني أنَّه يمكن أن يكون ظاهرة طويلة الأمد التي من المحتمل أن تكون عواقبها الأوسع والأكثر خطورة، مع ذلك، فهي مؤقتة وقابلة للعكس. أما المعسكر الثالث، فهو يخشى أن يكون التضخم المرتفع مشكلة أكثر ديمومة، وتترتب عليها آثار محلية ودولية متعددة الأوجه.

وتتفق المعسكرات الثلاثة على أنَّ الولايات المتحدة، من الناحية الإحصائية، ستشهد انتعاشاً ملحوظاً في معدَّل التضخم. ويرجع ذلك إلى “التأثيرات الأساسية” – مقارنة بعدد منخفض بشكل غير طبيعي في فترة سابقة؛ وفي هذه الحالة على وجه التحديد، كانت القراءات التي أعقبت الإغلاق المرتبط بكوفيد-19 قبل عام متوقِّفة بشكل خاص.

وفي حال ظلَّت معدَّلات التضخم المرتفعة مجرد شذوذ إحصائي بشكل أساسي، فيجب أن تكون عواقبها طفيفة على المدى القصير، دون أن تكون لها تداعيات على المدى الطويل. وهذا هو المكان الذي يفقد فيه المعسكر الأول اهتمامه بجدل التضخم، إذ لا يرى أنَّه يُشكِّل أية تحديات سواء للخطط المالية لإدارة الرئيس “بايدن” أو لمتابعة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المستمر لسياسات توسعية للغاية.

الضغط على الأسعار

وفي حين يرى المعسكران الآخران أنَّ التأثيرات الأساسية ستتضخم قريباً من خلال ما كان يُعرف في أدبيات التضخم القديمة بتضخم الطلب والجذب. وهنا، يفوق الازدهار في الطلب الخاص والعام قدرة جانب العرض على الاستجابة، مما يضع ضغطاً تصاعدياً على الأسعار.

وبالفعل، هناك علامات أولية على اختناقات العرض، وارتفاع تكاليف النقل، التي ظهر معظمها قبل انسداد قناة السويس الأسبوع الماضي، الذي تسبَّب الآن في زعزعة سلاسل التوريد بشكل ملموس، وسلَّط الضوء مرة ​​أخرى على افتقارها إلى المرونة.

ومن المرجَّح أن يؤدي الجمع بين التأثيرات الأساسية وجذب الطلب إلى إبقاء معدَّل التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2٪ لبضعة أشهر بعد سنوات من العجز.

ويعتقد المعسكر الثالث أنَّ احتمالية أو ظهور مثل هذه النتيجة من شأنه أن يُغيِّر بدوره التوقُّعات التضخمية والسلوكيات ذات الصلة، مضيفاً عنصر “ارتفاع التكاليف” إلى الديناميكية التضخمية.

وسوف يتمُّ دعم ذلك من خلال التغييرات الهيكلية في المشهد الطبيعي للإنتاج والعمالة، بما في ذلك تركيز الشركات المكثَّف، وإزالة العولمة، وتعطُّل حركة الأشخاص، والمزيد من عدم تطابق المهارات.

سيناريوهات مقلقة

وضمن إطار سعيها لحماية أرباحها من ارتفاع تكاليف المدخلات مدفوعة بالمنافسة الداخلية والخارجية المنخفضة، ستختار الشركات الزيادات الوقائية في الأسعار. وفي غضون ذلك، سيسعى العاملون بأجر أيضاً إلى حماية أنفسهم، الأمر الذي يذكرنا بـ “مقاومة الأجور الحقيقية” التي كانت سائدة قبل بضعة عقود.

أما بالنسبة لسيناريو المعسكر الثالث، ومع احتمال وجود ديناميكية ذاتية التغذية من شأنها أن تبقي التضخم مرتفعاً ومتصاعداً، فإنَّ هذا الواقع قد يُشكِّل مخاطر أكبر على الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للدولة على المدى الطويل.

وستُخاطر حملة إدارة “بايدن” لإعادة تشكيل الاقتصاد، التي تُعدُّ المحرِّك الرئيسي في انتقال التدخل المالي من الإغاثة إلى الانتعاش، باحتمال حصول تأخيرات، هذا إن لم تخرج عن مسارها.

ويمكن لهذا أن يضيف إلى التأثير الرجعي للتضخم على المجتمع الأمريكي، إذ من شأن فرض عبء غير متناسب على الشرائح الأقل حظاً أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة عدم المساواة الثلاثية المرتبطة بالدخل والثروة والفرص؛ وكل هذا سيحدث في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية النصفية لعام 2022.

وفي الوقت نفسه، سيجد بنك الاحتياطي الفيدرالي نفسه يقاوم الانتقادات الموجهة إلى مراجعة مشوَّهة لإطار السياسة العامة، التي حوَّلت بسذاجة تركيزه بعيداً عن الإجراءات الوقائية القائمة على توقُّعات التضخم إلى الإجراءات التفاعلية القائمة على النتائج.

وفي هذا السيناريو، من المحتمل أن يرى بنك الاحتياطي الفيدرالي أنَّه مضطر إلى الضغط على المكابح بقوة، مخاطراً بما قد يظل أقل من انتعاش كامل وشامل بما فيه الكفاية؛ وسيكون كل هذا سيئاً ليس فقط للولايات المتحدة، وإنما أيضاً للاقتصاد والأسواق العالمية.

وفي الواقع، فإنَّ السيناريو الثالث ليس هو السيناريو الوحيد الذي يُشكِّل مخاطر. وحتى السيناريو الثاني، الذي يُعد أكثر اعتدالاً، يحدث بسبب رد فعل السوق المحتمل.

وفي حين أنَّ الاقتصاديين ومجلس الاحتياطي الفيدرالي قد ينظرون إلى ارتفاع معدَّل التضخم من خلال عدسة أطول زمنياً، فقد ينتهي الأمر بالأسواق إلى العيش بشكل أكبر فيما يسميه “جوناثان فيرو” من “بلومبرغ” “اللحظة الراهنة” – أي الاستجابة على المدى القصير من خلال رفع عائدات السندات بسرعة، والمخاطرة بزعزعة استقرار الأسهم وغيرها من الأصول الخطرة التي استفادت بشكل كبير من ثقة السوق على نطاق واسع في استمرار ضخِّ السيولة الوفيرة، التي يمكن التنبؤ بها.

ومن خلال حدوث كل هذا في وقت يتسم بالإفراط في المخاطرة، الذي يكون في بعض الحالات غير مسؤول، فإنَّه قد يتسبَّب في تداعيات اقتصادية سلبية.

ويمكن الشعور بمثل هذه التداعيات خارج الولايات المتحدة بالفعل، فقد اشتكى مسؤولو البنك المركزي الأوروبي من “التشديد غير المبرر” للأوضاع المالية في منطقة اليورو بسبب ارتفاع عائدات السندات الأمريكية؛ وقد ساهم ذلك أيضاً في حصول اتساع بطيء في دورة زيادات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية في الاقتصادات الناشئة.

التضخم سيزيد قريباً

وعند تقييم كل هذا، انتهى بي المطاف بالوصول إلى قناعة كبيرة بأنَّ الولايات المتحدة ستشهد ارتفاعاً في التضخم في الأشهر القليلة المقبلة بسبب التأثيرات الأساسية وجذب الطلب. وفي حين أنَّ المرحلة اللاحقة من التأثيرات الكبيرة للتضخم في ارتفاع التكاليف ليست بشكل صارم ضمن خط الأساس الخاص بي، إلا أنَّها كافية لتوليد تهديد حقيقي يتطلَّب مراقبة وثيقة ومتكررة. ويأتي ذلك مع خطر تقلُّبات السوق المرتفعة. أما على الجبهة السياسية، فإنَّ احتمالات حدوث المزيد من المداولات الساخنة في الكونغرس بشأن الرفاه الاقتصادي والاجتماعي قد تجعل من الصعب تمرير الحزم المالية اللاحقة بسرعة، على الرغم من أهميتها من أجل تحقيق التعافي الدائم للولايات المتحدة.

الشرق نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق