أخبار العالم

هل الاتحاد الأوروبي قادر على ابتكار شركات أخرى مثل “إيرباص”؟

إذا أقنعت فترة رئاسة ترمب، وبريكست، الاتحاد الأوروبي التصرف أكثر كقوة سيادية، وأقل كمركز تسوق، فإنَّ وباء كوفيد- 19 أظهر أنَّ الكتلة أمامها رحلة طويلة بشكلٍ محبط.

أولاً، كان هناك صراع على المعدات الطبية الوقائية، ثم بداية فاشلة لتوزيع الأمصال، والآن تظهر الآثار السلبية لمدى اعتماد الاتحاد الأوروبي القوي على الولايات المتحدة وآسيا في التكنولوجيا.

التكنولوجيا والمصانع تهاجر من أوروبا

وتعدُّ ندرة أشباه الموصلات التي تضرب الأسواق العالمية بمثابة تذكير قاسٍ بمغادرة المصانع والتكنولوجيا من القارة العجوز.

وفي الوقت نفسه، تُبرِز القيمة السوقية المتضخِّمة لـ”فيسبوك”، و”أمازون دوت كوم”، و”أبل”، و”نتفلكس”، و”ألفابت” الشركة الأم لـ”غوغل” أين يضع المستثمرون رهاناتهم المستقبلية؟.

وتجاوزت القيمة السوقية الإجمالية لقطاع التكنولوجيا مؤخراً قيمة الأسهم الأوروبية مجتمعة لأوَّل مرة على الإطلاق.

ويتقدَّم الاتحاد الأوروبي على جبهة تنظيمات التكنولوجيا، ولكن ذلك يظهر أنَّه يبرع في الدفاع عن مستهلكيه البالغ عددهم 400 مليون بدلاً من تطوير تطبيقات جديدة ناجحة.

وكما قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في ديسمبر، لدى الولايات المتحدة “FAANGs” (فيسبوك، أبل، أمازون، نتفلكس، غوغل)، والصين تتباهى بـ”BATX” (“بايدو”، و”علي بابا هولدينغز”، و”تينسينت هولدينغز”، و”شاومي كورب”)، أما الاتحاد الأوروبي، فلديه قانون حماية البيانات “النظام الأوروبي العام لحماية البيانات” (GDPR).

التركيز على الصناعة

ولتصحيح الوضع، تحوَّل المسؤولون في بروكسل، وباريس، وبرلين إلى السياسة الصناعية، وبإلهام من نجاح “إيرباص” في منافسة شركة “بوينغ”، تستثمر الدول أموالها في قطاعات من البطاريات الكهربائية إلى الحوسبة السحابية بهدف إنشاء أبطال أوروبيين.

ويتمثَّل أحدث مسعى في الرقائق الإلكترونية، إذ يهدف الاتحاد الأوروبي إلى إنتاج ما

لا يقلّ عن 20% من أشباه الموصلات في العالم بحلول عام 2030 – أي ضعف مستواها الحالي – باستخدام الأموال من صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من كوفيد لبناء مصانع متقدِّمة على أحدث طراز.

ومع ذلك، يعدُّ الاتحاد الأوروبي متأخراً لدرجة أنَّه معرَّض بشدة لخطر تفويت ثورة تكنولوجية أخرى.

ولكن تحتاج أوروبا إلى أكثر من المصانع، فهي تحتاج إلى شركات تكنولوجية على أرض الوطن لتكون عميلة لمصانع أشباه الموصلات تلك، كما جادل زميلي في “رأي بلومبرغ”، أليكس ويب.

وبخلاف ذلك، ستكون نتيجة التحالفات التي تشبه تحالف “إيرباص” مع شركات مثل “إن إكس بي سيميكوندكتورز”، و”انفنيون تكنولوجيز” محددة في تقديم خدمة أفضل للمراكز التكنولوجية الفائقة في الخارج في الولايات المتحدة وآسيا.

بيئة العمل غير مواتية

وتعدُّ النقود مهمة، وكذلك هي الظروف التي تعزز “النظم البيئية” المبتكرة التي يفتقر إليها الاتحاد الأوروبي بشدَّة، وتتمثَّل المعايير الأربعة الرئيسية في: رأس المال الاستثماري لتمويل الأفكار، والجامعات لإنتاجها، والتكتلات الجغرافية التي تجذب الشركات ذات السيولة العميقة، والساسة الداعمين، وفقاً لرائد الأعمال غيليس بابنيه، مستشار الحكومة الفرنسية.

ويتأخر الاتحاد الأوروبي في معظم هذه المجالات، إذ تكافح جامعاته للاحتفاظ بأفضل المواهب، ومجموع رأس المال الاستثماري فيه صغير نسبياً، وحتى مع وجود جيل جديد من الشركات الناشئة التي تبلغ قيمتها مليار دولار، لا يوجد شيء ينافس أمثال الشركات الواقعة في كاليفورنيا أو شينزين الصينية، وتوجد السياسات المنظِّمة بالفعل، ولكن لا توجد بذور في الأرض.

وينبغي إغلاق هذه الفجوات الضخمة من أجل الجيل الجديد من الشركات الشبيهة بـ”إيرباص”. وجاء التحالف الأوروبي لإنتاج البطاريات الكهربائية بعد سنوات من الهيمنة الآسيوية.

ويعدُّ الجيل الجديد من شركات الحوسبة السحابية منفصلاً عن واقع المنافسين الأثرياء في الولايات المتحدة، مثل: “مايكروسوفت كورب”، و”أمازون”.

نموذج “آرم ليمتد”

وتفشل محاولات الاتحاد الأوروبي في السير في طريق وسطي بين شبكات رأس المال الاستثماري العميقة في الولايات المتحدة، ونهج الصين القائم على التدخلات “المخزية” للدولة.

وفي عام 2000، وعد زعماء الاتحاد الأوروبي بأنَّه مع حلول عام 2010 ستكون الكتلة أكثر اقتصاد معرفي ديناميكي في العالم، وهو ما لم يتحقق؛ بل زاد معدل الابتكار في الصين خمس مرَّات أسرع من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2012. ويتعيَّن على الأوروبيين العودة إلى طاولة التخطيط، والتطلع إلى “آرم ليمتد” (ARM Ltd)، وليس “إيرباص”.

وتأسست “آرم” في كامبريدج في بريطانيا، واستغرق تطويرها عقوداً، ثم انطلقت بمساعدة “أبل”، وهي مصمّمة أشباه موصلات توجد تكنولوجيتها في الهواتف الذكية في جميع أنحاء العالم، وهو ما جعلها هدفَ استحواذ جذَّاب أولاً من قبل “سوفت بنك غروب” اليابانية، والآن شركة “إنفيديا كورب” لصناعة الرقائق الأمريكية.

وتمثِّل الصفقة المعلَّقة “لحظة تحول”، إذ يخشى عملاء “آرم” الأوروبيين أن تكون شروط الوصول أسوأ، إذا سيطر منافس أمريكي على الشركة، وتحقَّقت هيئات مكافحة الاحتكار في الأمر.

سياسة الباب المفتوح

وتظهر الصفقة ضعفاً مزدوجاً في أوروبا، وهو الافتقار إلى مراكز الابتكار التي تنتج شركات مثل “آرم”، وكذلك الحوافز التي من شأنها أن تساعدهم على التوسع والمنافسة بمفردهم.

وبدلاً من ذلك، يتمُّ الاستحواذ على العديد من شركات التكنولوجيا الواعدة من قبل الشركات الأجنبية، وخير مثال على ذلك بيع شركة الروبوتات “كوكا” (Kuka) الألمانية لمستثمرين صينيين.

ويقول الباحث إريك روغراف، المقيم في ستراسبورغ، إنَّ نهج الاتحاد الأوروبي في التعامل مع عمليات الاستحواذ الأجنبية تبنى على مر التاريخ “سياسة الباب المفتوح”، وقد تساعد سياسات التدقيق الجديدة في منع مبيعات التكنولوجيا الاستراتيجية، لكنَّه انضمَّ متأخراً للعبة.

ونجحت صانعة الطائرات “إيرباص” بطريقتها الخاصة، لأنَّ جميع القطع تلاءمت بطريقة ما برغم التدخل السياسي، وبدون مزيد من التركيز على تشجيع الابتكار بدلاً من طلبه؛ لن يكون هناك الكثير من شبيهات “إيرباص”.

الشرق نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق