أخبار

قمة الأزمات و”الوقت الضائع”..هل تنجح “غلاسكو” في إنقاذ كوكبا من الانهيار المناخي؟

لطالما كانت محادثات المناخ في مؤتمر الأطراف (COP) التابع للأمم المتحدة صعبة، إذ تضم 200 دولة تبحث عن خطة لمنع الاحتباس الحراري الكارثي للكوكب مع نفاد الوقت سريعا.

وجددت خلفية الأحداث المناخية المرعبة الإحساس بمدى إلحاح الأمر، وهو ما تزامن مع اندلاع أزمة الطاقة، التي تركت آسيا وأوروبا في منافسة للحصول على الوقود الأحفوري، ما أجبر الصين على مضاعفة استهلاك الفحم، ومنح المتقاعسين بشأن المناخ ذريعة أخرى لعدم الانخراط. وفي الولايات المتحدة، تعثرت طموحات الرئيس جو بايدن الخضراء في السياسة الداخلية، ما قوض مصداقيته، في الوقت الذي يحاول فيه دفع الآخرين للحد من انبعاثاتهم.

يهدف “COP”، وهو اختصار لمؤتمر الأطراف في جولته السادسة والعشرون، إلي الحد من الانبعاثات، والحفاظ على إمكانية الوصول لهدف 1.5 درجة من الاحتباس الحراري، وتقليل استخدام الفحم، ووضع قواعد سوق الكربون العالمية، وجمع مليارات لتمويل مشاريع المناخ.

تأتي قضية العدالة في قلب المحادثات، إذ تقول الدول النامية إن الدول الغنية دمرت كوكب الأرض أثناء حركتها التصنيعية، ومن الظلم الآن أنها تعرقل التقدم الاقتصادي للآخرين، وتفشل في توفير نقود كافية لمساعدة الدول الفقيرة على التكيف، لهذا السبب فإن هناك الكثير من الحديث عن حجم الأموال التي سيتم طرحها على الطاولة.

فيما يلي الدليل الكامل لما يبدو أنه سيكون بمثابة أسبوعين من المحادثات الساخنة، وتتناول السطور التالية الأهداف الكبرى والتفاصيل الصغيرة، المحددة من قبل قمة القادة في روما، إلى الصفقات الخلفية التي ستبحث فيها الوفود، تفاصيل قواعد سوق الكربون بينما سيحاولون الحفاظ على مسافة آمنة نتيجة “كوفيد”.

أين سيبدأ كل شيء: روما

سيعقد مؤتمر الأطراف في غلاسكو باسكتلندا، لكن قمة مجموعة العشرين في روما، التي تأتي، قبل أيام قليلة فقط ستحدد المسار مع هيمنة المناخ على جدول الأعمال، من خلال محادثات حول استخدام الفحم، وأهداف صافي الصفر، وتمويل المناخ.

وحتى الآن، فإن مجموعة العشرين، التي تضم الدول الرئيسية التي تبعث الغازات مثل الصين والهند، ليس لديها الكثير لتظهره خلال الساعات الكثيرة لانعقاد القمة، حتى أن اجتماعات الشهر الجاري أظهرت علامات تراجع بعض الدول، وإذا تمكن القادة من إحراز تقدم، فسيكون ذلك بمثابة دفعة كبيرة لمؤتمر الأطراف، ومن المقرر أن تختتم القمة أعمالها في روما في 31 أكتوبر، بعدها ستتوجه الوفود مباشرة إلى غلاسكو.

إلى غلاسكو: تفقد كشف الأسماء

لن يحضر بعض القادة الرئيسيين مثل الرئيس الصيني، شي جين بينغ، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، ومع ذلك، سترسل حوالي 200 دولة ممثلين عنها، وسيكون بعض المندوبين حاضرين شخصيا، وسيتصل بعضهم من المنزل، كما ستكون هناك قواعد صارمة بشأن الأقنعة الطبية، والأرقام المسموح بها في غرف التفاوض، واختبارات “كوفيد”، حيث أضاف الوباء عقبات إضافية، ودخلت بعض الدول في المحادثات معربة عن استيائها مما تعتبره عدم تكافؤ في المشاركة.

القادة في اختبار الوفاء بالوعود

بموجب اتفاقية باريس التاريخية في عام 2015، يتعين على الدول مراجعة تعهداتها بخفض التلوث بانتظام من أجل ضمان بقاء العالم على المسار الصحيح للحد من ارتفاع درجة الحرارة عند ما يقرب من 1.5 درجة مئوية، وتم تقديم الوعود الأولى، التي تسمى المساهمات المحددة وطنيا أو “NDCs”، في عام 2016، لكن من الواضح أنها كانت أقل بكثير مما يقول العلم أنه مطلوب.

رغم أن بعض الدول قدمت بالفعل تعهدات جديدة خلال العام الماضي، فإن العديد من الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الصين والهند ، لم تفعل ذلك، كما أن الخطط الموضوعة حتى الآن ستقود إلى زيادة درجة الحرارة بمقدار 2.4 درجة بحلول نهاية القرن، وفقا لمجموعة الأبحاث غير الربحية “كلايميت أكشن تراكر” (Climate Action Tracker).

في بداية مؤتمر الأطراف، ستكون هناك لحظة تقييم لمعرفة إلى أي مدى ما زال العالم بعيد عن تحقيق المستوى المستهدف عند 1.5 درجة. وأقر مبعوث الولايات المتحدة للمناخ جون كيري بالفعل بأن الخطط ربما لن تكون كافية، وأن أحد أهداف غلاسكو هو التأكد من استمرار الدول في العودة بأهداف محسنة.

ويقول رئيس شؤون المناخ في الاتحاد الأوروبي، فرانس تيمرمانز: “نحتاج إلى التغيير ونحتاج إلى تغيير جذري ونحتاج إلى التغيير بسرعة..سيكون ذلك صعبا للغاية، وهذه هي الأخبار السيئة”.

الأهداف

يصف المستضيفون في بريطانيا أهداف مؤتمر الأطراف بأنها تتمثل في “الفحم والسيارات والنقود والأشجار”، وهذا يعني إنهاء استخدام الوقود الأحفوري الأكثر تلويثا، والتخلص التدريجي من محركات الاحتراق الداخلي، وجمع الأموال لمساعدة البلدان النامية على الانتقال إلى طاقة أنظف والحماية من ويلات تغير المناخ، وعكس مسار إزالة الغابات، كما يهدف المؤتمر إلى تحديد القواعد العالمية لتسعير وتداول الكربون على مستوى العالم، ومن المتوقع التباهي بالمواقف والتصريحات في اليومين الأولين، إلى جانب ربما بعض التعهدات الجديدة، ثم سيغادر القادة، ويبدأ العمل الحقيقي.

الأولوية: الفحم

“أولويتي الشخصية: الفحم”، هكذا قال رئيس مؤتمر الأطراف ألوك شارما.

وحددت رئاسة بريطانيا هدفا للاجتماع تمثل في جعل استخدام الفحم من الماضي، حيث كانت تدفع باتجاه هذا الهدف في اجتماعات مجموعة السبع ومجموعة العشرين العام الجاري، وكان النجاح متباينا حتى الآن، لكن الفحم لا يزال جزءا كبيرا من مزيج الطاقة. وأجبرت الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة الدول على الاعتماد بشكل أكبر على الوقود. وتأمر الصين شركات تعدين الفحم بالحفر قدر المستطاع، وفي الولايات المتحدة، يعيق مشرع رئيسي من ويست فرجينيا الغنية بالفحم خطط “بايدن”.

الموضوع الرئيسي: السيولة النقدية

منذ أكثر من عقد، تعهدت الدول المتقدمة بجمع 100 مليار دولار سنويا حتى عام 2020 لمساعدة الدول النامية على التحول إلى طاقة أنظف، لكنهم لم يفوا بالوعد بعد، وهو فشل يغضب البلدان الفقيرة ويقوض مصداقية قادة العالم المتقدم، بينما يجبرون الآخرين لإجراء تغييرات باهظة الثمن، وبلغ إجمالي تمويل المناخ 79.6 مليار دولار في عام 2019، بزيادة قدرها 2% فقط عن عام 2018، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقالت تينا ستيدج، مبعوث المناخ نيابة عن جزر مارشال: “نحن بلا شك بحاجة لمقابلة تعهد الـ100 مليار دولار..لأن تحقيقه عنصر جوهري للنجاح في مؤتمر الأطراف”.

وضاعف “بايدن”، الشهر الماضي، تعهد الولايات المتحدة الأحدث إلى 11.4 مليار دولار سنويا بدءا من عام 2024، لكن لا تزال موافقة الكونغرس مطلوبة. ويقول النشطاء إنه ذلك الرقم لا يقترب من الحصة العادلة للولايات المتحدة في التمويل، ويقدر مركز الأبحاث، “أو دي آي” (ODI) أن يكون الرقم أقرب إلى 43 مليار دولار، بناء على ثروة الولايات المتحدة وانبعاثاتها وحجم السكان.

يوم التمويل: اتبع الأموال

سيكون وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية والمديرون التنفيذيون لبنوك وول ستريت في غلاسكو في 3 نوفمبر في يوم التمويل، وسيركزون على كيفية جعل النظام المالي العالمي أخضرا وتحويل الأموال بعيدا عن الصناعات الملوثة إلى الصناعات النظيفة.

ويمكن مراقبة التعهدات بالتخلص التدريجي عن تمويل الفحم أو التوقف تماما، وكانت بالفعل هناك سلسلة من الوعود في الفترة التمهيدية، بما في ذلك انضمام “جيه بي مورغان” إلى تحالف من المقرضين لموائمة محافظهم مع صافي صفر بحلول عام 2050، لكن كما هو الحال دائما، ما يهم هو التفاصيل، ومدى صرامة المستثمرين في مُسائلة شركاتهم.

الأمور العالقة منذ باريس: سوق الكربون

تركت اتفاقية باريس بعض الأعمال غير المكتملة التي لم يتمكن المفاوضون بعد من التوافق عليها مثل كيفية توحيد القواعد بشأن تداول الكربون في جميع أنحاء العالم، والكلمة الأكثر أهمية التي يجب مراقبتها هي المادة السادسة التي تشير إلى تلك النصوص في صفقة باريس، والتي مهدت الطريق لسوق كربون عالمية، لكنها معقدة للغاية ومثيرة للجدل لدرجة أنه لم يتم الانتهاء منها بعد، في حين أن النبأ السار هو أن المفاوضين يتجهون نحو صفقة في هذا الشأن.

تتمثل الفكرة الأساسية في مطابقة مشاريع امتصاص الكربون التي تقلل التلوث مع الأطراف الأخرى، التي تحتاج إلى تقليل الانبعاثات، من خلال ما يعرف بسوق تعويضات الكربون، والتي قد تصل قيمتها إلى 100 مليار دولار في عام 2030، وفقا لبعض التقديرات. نظريا، ينبغي أن تدفع تلك الآلية الأموال إلى الأماكن التي يمكن فيها تحقيق أكبر مكسب بأقل ثمن.

تقول ليديا ووجتال ، من مركز أبحاث “أغورا إنرجي فندا “(Agora Energiewende): “أصبحت التعويضات عنصرا متزايد الأهمية في استراتيجيات التخلص من الكربون، ورغم أن هناك بالفعل العديد من أسواق الكربون الطوعية التي يمكن أن توفر مثل هذه الائتمانات، فإن التوصل لصفقة بشأن المادة السادسة ستحدث فرقا مثل ضمان معيار عالمي حقيقي”.

تكمن الصعوبة في إنشاء أداة مالية قوية من شأنها ترجمة العمل على التعهدات الوطنية بخفض الانبعاثات إلى وحدات قابلة للمقارنة وقابلة للتداول، وينبغي أن يكون إطار العمل مرنا بما يكفي لجذب الاستثمار، وأن يكون مقبولا لمجموعة الدول ذات الأولويات المختلفة، وأن يكون ذو مصداقية. ويقول بعض المفاوضين إن الصفقة السيئة ستكون أسوأ من عدم وجود صفقة إذا لم تكن القواعد التي تظهر قوية بما فيه الكفاية.

هناك نقطتان شائكتان كبيرتان، تتمثل الأولى في الحاجة إلى تجنب الحساب المزدوج، والثانية هي كيفية التعامل مع الائتمانات القديمة من نظام لم يعد قائما الآن، والذي أُطلق في 1997 بموجب بروتوكول “كيوتو”. وربما تؤدي الصفقة الجيدة إلى خفض صافٍ للانبعاثات على مستوى العالم، لكن تكمن المخاطر في أن الصفقة السيئة ستفعل العكس.

بشكل عام، تتوق الدول النامية إلى جني الأموال التي قد تأتي من برنامج جديد، بينما تركز الدول الأكثر ثراء بقيادة الاتحاد الأوروبي على نزاهة النظام.

اللعبة النهائية

في نهاية المحادثات من المحتمل أن يكون هناك بيان “غلاسكو”، وقالت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا إنهما تريدان التأكد من استمرار الدول في تعزيز خططها، في حين أن العديد من القادة يصورون مؤتمر الأطراف باعتباره صفقة “نجاة أو انهيار” لكوكبنا، فإن الواقع ربما يكون أكثر اختلافا قليلا، ومن المحتمل أن يُعتبر الفوز الواضح في مسألة واحدة فقط نجاحا، ومن الممكن أن يكون هناك تقدم يمكن إحرازه بمرور الوقت. وفي نفس الوقت، يزداد دور الشركات وقطاع التمويل أهمية، إذ تحشد البنوك التمويلات من أجل تخضير الاقتصاد، ومن المرجح أن يستمر هذا الزخم.

حفظ ماء الوجه: الصفقات الجانبية

نظرا لأن الأهداف الرئيسية المتمثلة في إنهاء عصر الفحم والحصول على التزام صافٍ صفري لا تزال بعيدة عن المنال، فإن العمل جار لإبرام سلسلة من الصفقات الجانبية التي من شأنها إلى حد ما أن تنقذ المحادثات، أو على الأقل أن تحفظ ماء الوجه.

على سبيل المثال، هناك خطة للحد من غاز الميثان، وتعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إقناع الآخرين للانضمام إليها، كما أن هناك خطط أخرى في مجال الطيران والغابات. ومع ذلك، يكمن الخطر في أنه إذا كان البيان الرئيسي ضعيفا للغاية، بحيث يكون كل العمل في الصفقات المصغرة، ستثار أسئلة حول ما هو الهدف من مؤتمر الأطراف، وما إذا كانت تعددية الأطراف فيما يتعلق بالعمل على المناخ تقترب من نهاية الطريق أم لا.

الشرق نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق